مقالات

حظيرة آوليكات.. حين تتحول حماية الطبيعة إلى فرصة للتنمية …بقلم: الصحفي محمدمحمود محمدسالم

ليست حظيرة آوليكات مجرد فضاء للحيوانات البرية أو مشروع سياحي جديد يضاف إلى قائمة الوجهات الوطنية، بل يمكن النظر إليها باعتبارها تجربة تحمل أبعاداً بيئية واقتصادية وتنموية أوسع، خصوصاً بالنسبة لمنطقة واد الناقة التي يمكن أن تصبح الحظيرة إحدى أبرز بواباتها نحو سياحة بيئية أكثر تنظيماً واستدامة.

فكرة إنشاء الحظيرة جاءت في سياق الحاجة إلى حماية التنوع البيولوجي والمحافظة على الأنواع الحيوانية والنباتية، في بلد تواجه فيه البيئة تحديات متزايدة بفعل الجفاف والتصحر وتغير المناخ والضغط على الموارد الطبيعية. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لآوليكات لا ينبغي أن تقاس فقط بما تضمه من حيوانات أو بما أنجز فيها من منشآت، وإنما بما يمكن أن تساهم به في بناء علاقة أكثر توازناً بين الإنسان والطبيعة.

لقد بدأت آوليكات كمشروع لحديقة للحيوانات سنة 2015، قبل أن تتحول سنة 2016 إلى حظيرة وطنية ذات أهداف أوسع، تشمل المحافظة على الأنواع الحيوانية والنباتية، والدراسة العلمية، والتربية خارج الوسط الطبيعي، وإعادة إدخال بعض الأنواع في بيئاتها الطبيعية. وهذا التحول يعكس إدراكاً بأن حماية الحياة البرية لا يمكن أن تظل نشاطاً ترفيهياً، بل ينبغي أن تكون جزءاً من السياسة البيئية والتنموية للدولة.

الطبيعة أولاً

في تقديري، فإن أهم ما يمكن أن تضيفه آوليكات هو خلق مساحة منظمة لحماية التنوع البيولوجي، وتوفير ظروف ملائمة لبعض الأنواع التي تحتاج إلى الحماية والتكاثر والتأقلم.

كما يمكن للحظيرة أن تتحول إلى فضاء للتربية البيئية، خصوصاً بالنسبة للأطفال والتلاميذ، بحيث لا تبقى البيئة مفهوماً نظرياً في المناهج الدراسية، وإنما تصبح تجربة حية يتعرف من خلالها الجيل الجديد على الحيوانات والنباتات وأهمية المحافظة عليها.

وقد شهدت الحظيرة بالفعل أنشطة مرتبطة بالتشجير والتوعية البيئية، وهو اتجاه ينبغي تعزيزه وتوسيعه، لأن نجاح أي مشروع بيئي لا يعتمد على المنشآت وحدها، بل على خلق ثقافة مجتمعية تحمي ما يتم إنجازه.

غير أن الحديث عن الأثر البيئي للحظيرة يجب أن يظل منضبطاً مهنياً. فليس من الدقة القول إن المشروع أحدث تحولاً شاملاً في طبيعة المنطقة دون وجود دراسات ومؤشرات علمية تقيس ذلك. الأصح أن نقول إن آوليكات توفر فرصة مهمة لإحداث هذا التحول، وأن حجم الأثر سيقاس مستقبلاً بمدى نجاح برامج حماية الأنواع، وزيادة الغطاء النباتي، وتحسين إدارة الموارد، وتطور الوعي البيئي.

واد الناقة أمام فرصة اقتصادية

لا تقتصر أهمية الحظيرة على البيئة. فموقعها القريب من نواكشوط يمنحها ميزة اقتصادية وسياحية مهمة، ويمكن أن يجعل منها وجهة مناسبة للسياحة الداخلية والرحلات العائلية والمدرسية، وربما للسياح الأجانب الباحثين عن تجارب مرتبطة بالطبيعة.

وهنا تبرز مصلحة واد الناقة بشكل مباشر.

فالحظيرة قادرة، إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح، على خلق سلسلة من الأنشطة الاقتصادية المحيطة بها: النقل، والإرشاد السياحي، والمطاعم، والصناعة التقليدية، وبيع المنتجات المحلية، والخدمات السياحية، إضافة إلى فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

وهذا يعني أن التنمية السياحية لا ينبغي أن تتوقف عند بوابة الحظيرة. المطلوب هو أن يشعر سكان المنطقة بأن المشروع جزء من اقتصادهم المحلي، وأن لهم دوراً فيه ونصيباً من فوائده.

فالزائر الذي يأتي إلى آوليكات ينبغي أن تكون لديه فرصة للتعرف على المنطقة وثقافتها ومنتجاتها وموروثها، وليس فقط مشاهدة الحيوانات ثم مغادرة الموقع.

السياحة لا ينبغي أن تكون على حساب البيئة

لكن نجاح التجربة يفرض تحدياً آخر: كيف يمكن تطوير السياحة دون أن تتحول السياحة نفسها إلى ضغط على البيئة؟

هذا السؤال مهم جداً.

فزيادة أعداد الزوار، إذا لم ترافقها إدارة جيدة، قد تؤدي إلى ارتفاع استهلاك المياه وإنتاج النفايات والضغط على الغطاء النباتي والحياة البرية. ولذلك فإن السياحة البيئية الناجحة هي التي تجعل حماية الطبيعة جزءاً من نموذجها الاقتصادي، لا أمراً ثانوياً.

ومن الضروري أن ترافق تطوير الحظيرة سياسات واضحة لإدارة النفايات، وترشيد استهلاك المياه، وحماية الحيوانات، وتنظيم حركة الزوار، والحفاظ على الغطاء النباتي، والاستفادة من الطاقة النظيفة كلما أمكن.

كما أن تكوين شباب المنطقة في مجالات الإرشاد السياحي والخدمات البيئية يمكن أن يشكل استثماراً طويل الأمد، لأن المشروع لن يكون مستداماً إذا ظل السكان المحليون مجرد متفرجين على نشاط اقتصادي يجري في محيطهم.

مشروع يحتاج إلى رؤية طويلة المدى

في النهاية، أعتقد أن الرهان على آوليكات يجب ألا يكون رهانا قصير المدى على عدد الزوار أو حجم المرافق، بل رهانا على بناء نموذج موريتاني للسياحة البيئية.

وذلك يتطلب استمرار الاستثمار في الحظيرة، وإجراء الدراسات العلمية الدورية، ونشر المؤشرات المتعلقة بأعداد الأنواع وتطور الغطاء النباتي وحركة الزوار والعائد الاقتصادي، حتى يكون تقييم المشروع قائماً على الأرقام لا على الانطباعات.

كما يتطلب تنسيقاً بين القطاعات المعنية بالبيئة والسياحة والتنمية المحلية، وإشراك السلطات والسكان والفاعلين الاقتصاديين في تصور مستقبل المنطقة.

إن واد الناقة تمتلك اليوم فرصة مهمة للاستفادة من وجود هذا المشروع. وإذا أحسن استغلالها، فقد تصبح آوليكات أكثر من حظيرة للحيوانات: يمكن أن تصبح مركزاً بيئياً وسياحياً واقتصادياً يساهم في تنويع مصادر الدخل المحلي، ويوفر فرصاً للشباب، ويعيد الاعتبار للطبيعة باعتبارها مورداً اقتصادياً يجب حمايته لا استنزافه.

وفي بلد مثل موريتانيا، حيث تشكل البيئة جزءاً أساسياً من تحديات التنمية، فإن الاستثمار في الطبيعة ليس ترفاً، بل هو استثمار في المستقبل.

آوليكات أمام فرصة حقيقية، لكن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرتنا على تحقيق المعادلة الصعبة: أن نستفيد من الطبيعة دون أن نضر بها، وأن نحول حمايتها إلى مصدر للتنمية، وأن نجعل المجتمع المحلي شريكاً حقيقياً في نجاحها.

الصحفي: محمدمحمود محمدسالم

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى