مال و أعمالمقالات

مركز تلماس للإعلام و التنمية : صوملك والشركة التركية.. عندما تصبح الشفافية ضرورة اقتصادية

تفتح قضية الشركة التركية التي ارتبط اسمها بملف تزوير وثائق في صفقة عمومية بساحل العاج، ثم عودتها لاحقًا إلى دائرة الصفقات مع الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، نقاشًا يتجاوز حدود صفقة بعينها، ليصل إلى صميم الحوكمة الاقتصادية وحماية المال العام.

فبحسب ما أوردته مصادر إعلامية، فإن الشركة التركية قدمت في إطار منافسة على صفقة في ساحل العاج وثائق تفيد بتنفيذها مشاريع لصالح «صوملك» في موريتانيا، قبل أن تكشف مراجعة الوثائق، وفق المراسلات المنشورة، أن تلك المشاريع إما منحت لشركات أخرى أو لم تنفذ أصلًا، وأن الجهات الإيفوارية اتخذت على إثر ذلك قرارًا باستبعاد التجمع ووضعه على القائمة السوداء.

المفارقة الأكثر إثارة للأسئلة هي أن الشركة نفسها عادت، وفق المعطيات المنشورة، لتحصل على صفقات من «صوملك» بقيمة تتجاوز 1.6 مليار أوقية قديمة. وتذكر المصادر أن أربع صفقات بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 1.68 مليار أوقية قديمة.

اقتصاديًا، لا تكمن المشكلة في قيمة الصفقة وحدها، وإنما في معيار الثقة الذي يحكم منحها. فإذا كانت مؤسسة عمومية قد توصلت إلى أن وثائق شركة ما تضمنت تزويرًا أو استعمالًا لمستندات غير صحيحة، فإن المنطق الإداري والاقتصادي السليم يقتضي إخضاع الشركة لتدقيق صارم قبل السماح لها بالعودة إلى المنافسة، والتأكد من أهليتها وخبرتها وسلامة وثائقها.

رأي مركز تلماس للإعلام والتنمية

يرى مركز تلماس للإعلام والتنمية أن المال العام لا يحتمل المجازفة، وأن الشفافية في المناقصات العمومية ليست إجراءً شكليًا، بل هي ضمانة اقتصادية لحماية الدولة والمواطن والمنافسة النزيهة.

ولا يعني ذلك اتهام أي جهة بالفساد لمجرد وجود تساؤلات، كما لا يعني أن الحصول على صفقة لاحقة يثبت في حد ذاته وجود مخالفة. لكن عندما تتقاطع وثائق تتحدث عن تزوير مع صفقات لاحقة بالمليارات، فإن الأمر يستحق تفسيرًا رسميًا واضحًا وتدقيقًا مستقلًا يجيب عن أسئلة مشروعة: كيف تمت إعادة تأهيل الشركة؟ ومن تحقق من وثائقها؟ وهل خضعت الصفقات اللاحقة لتدقيق كامل؟ وهل تم إشعار الجهات الرقابية بما سبق من معطيات؟

إن موريتانيا بحاجة إلى جذب الشركات الجادة والاستثمارات الأجنبية، لكن جذب الاستثمار لا يعني التساهل مع الشركات التي تحيط بها شبهات موثقة. فالمنافسة الحقيقية تقتضي أن تتساوى الشركات النزيهة مع غيرها أمام شروط واضحة، وأن يكون معيار الفوز هو الكفاءة والسعر والجودة والقدرة على التنفيذ، لا قوة العلاقات أو ضعف التدقيق.

ومن هنا، فإن مركز تلماس يدعو إلى تعزيز الشفافية في الصفقات العمومية، وتفعيل التدقيق القبلي والبعدي، ونشر أكبر قدر ممكن من المعلومات المتعلقة بالعقود العمومية، والابتعاد عن التعامل مع أي شركة ثبت أو تأكد رسميًا استعمالها وثائق مغلوطة، إلى حين استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات.

فالاقتصاد الوطني لا يخسر فقط عندما تضيع الأموال؛ بل يخسر أيضًا عندما تهتز الثقة في قواعد المنافسة. وهذه الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي منظومة صفقات عمومية سليمة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى