تراجع لفرنسا في تصنيف الشفافية الدولية
ويُعدّ مؤشر مدركات الفساد بناءً على تقييم خبراء ورجال أعمال، حيث يصنّف 182 دولة وفق مستوى الفساد المُتصوَّر في القطاع العام، استنادًا إلى بيانات مؤسسات من بينها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي.
تُمنح الدول نقاطًا بين صفر (الأكثر فسادًا) و100 (الأكثر نزاهة). وفي نسخة 2025، تصدّرت الدنمارك بـ89 نقطة، بينما حلّ جنوب السودان أخيرًا بـ9 نقاط. وحصلت فرنسا على 66 نقطة، متراجعة نقطة واحدة عن 2024، لتحتل المرتبة 27، وهو أسوأ ترتيب لها منذ اعتماد المنهجية الحالية عام 2012.
ويأتي هذا التراجع في سياق ثلاث قضايا فساد بارزة تصدّرت المشهد العام الماضي. فقد كشف تقرير لمجلس الشيوخ في مايو أن الحكومة الفرنسية تغاضت عن ممارسات احتيال استهلاكي لشركة “نستله”، سمحت لها باستخدام معالجات محظورة لإنتاج مياه معدنية “طبيعية” بينها “بيرييه”.
كما سُجن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي لمدة 20 يومًا في أكتوبر بعد إدانته بالسعي للحصول على تمويل غير قانوني لحملته الرئاسية من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي. وفي قضية مستمرة، أُدينت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان وعدد من أعضاء حزبها “التجمع الوطني” في مارس باختلاس أموال من البرلمان الأوروبي. وتمثل لوبان هذا الأسبوع أمام محكمة في باريس لاستئناف الحكم، الذي قد يمنعها من الترشح لانتخابات 2027 إذا ثُبّت.
وقال فلوران كلويه، المدير التنفيذي لمنظمة الشفافية الدولية في فرنسا، إن هذه القضايا ساهمت في تدهور صورة البلاد، لكنه أشار إلى عوامل أعمق، أبرزها “غياب الإرادة السياسية” وافتقار القيادة في مكافحة الفساد.
وأوضح أن خطة لتعزيز آليات مكافحة الفساد لم تتبنَّها أي جهة برلمانية ولم تُعرض على مجلس الوزراء، في وقت تتزايد فيه الاتهامات داخل دوائر الحكم. وتواجه وزيرة الثقافة راشيدا داتي بدورها اتهامات بالفساد.
وتعاني أجهزة التحقيق والادعاء من نقص الموارد. فمكتب الادعاء المالي الوطني مثقل بالقضايا، حيث يتولى كل ثنائي من القضاة نحو 80 ملفًا بدلًا من ثمانية وفق الخطة الأصلية. كما تعاني هيئات التحقيق المالي والهيئة العليا للشفافية في الحياة العامة من نقص مزمن في الكوادر، ما يحدّ من قدرتها على أداء مهامها. وقد دعت رئيسة الهيئة الحكومة في أبريل إلى زيادة الميزانية، مشيرة إلى أن من أصل 13 ألف تصريح لمسؤولين عام 2024 لم تتمكن سوى من التحقق من خمسة آلاف.
وتواجه السلطات كذلك صعوبات في رصد ما يُعرف بـ“الفساد منخفض الحدة”، المتعلق بمبالغ صغيرة تمرّ دون اكتشاف.
ورأت المنظمة أن وضع فرنسا جزء من “اتجاه مقلق” يشمل تراجعًا في دول ديمقراطية تقليديًا ذات أداء جيد مثل كندا ونيوزيلندا والسويد والمملكة المتحدة. وعلى الصعيد العالمي، حصل أكثر من ثلثي الدول على أقل من 50 نقطة، مع تعثّر التقدم في أوروبا الغربية وتراجع في الولايات المتحدة التي سجلت 64 نقطة، وهو أدنى مستوى لها.
وحذّرت فلورا كريسويل، المستشارة الإقليمية لأوروبا الغربية في المنظمة، من أن أوروبا ينبغي أن تعزز طموحاتها في مكافحة الفساد بدلًا من خفضها. بينما اعتبر كلويه أن تراجع الثقة يؤدي إلى عزوف المواطنين عن السياسة وتصاعد الغضب الاجتماعي، بما قد يفتح المجال لقوى غير ليبرالية، “وفي جميع الحالات، تكون الديمقراطية هي الخاسر الأكبر”.
وأظهر استطلاع لمعهد سيفيبوف نُشر الاثنين أن 22% فقط من الفرنسيين يثقون في السياسة، بتراجع أربع نقاط عن العام السابق.
