مقالات

من تشخيص الاحتياجات إلى صناعة التنمية.. البرنامج الاستعجالي أمام اختبار المرحلة الثانية

مقاربة تشاركية أطلقها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لتقليص الفوارق التنموية وجعل المواطن في صميم تحديد الأولويات

بقلم: محمدمحمود عبد الرحمن

تدخل موريتانيا مرحلة جديدة من مسارها التنموي مع التحضير لإطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية، من خلال إيفاد بعثات وزارية إلى الولايات الداخلية، في خطوة تعكس توجها نحو ترسيخ التخطيط التنموي القائم على تشخيص الاحتياجات الفعلية للمواطنين، وترتيب الأولويات وفق خصوصية كل منطقة ومتطلباتها.

وقد ترأس الوزير الأول، المختار ولد اجاي، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، اجتماعا خُصص لإطلاق هذه البعثات، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وبهدف تقييم حصيلة المرحلة الأولى والاستفادة من نتائجها في إعداد المرحلة الثانية، بما يضمن توجيه التدخلات الحكومية نحو المجالات الأكثر إلحاحا وتأثيرا في حياة المواطنين. (أمي)

نهج جديد في التخطيط التنموي

تكمن أهمية هذا البرنامج في المقاربة التي يقوم عليها، والتي تسعى إلى تجاوز الأساليب التقليدية في تحديد المشاريع التنموية، من خلال جعل الاستماع إلى المواطنين والسلطات المحلية والمنتخبين ومختلف الفاعلين مدخلا أساسيا لتحديد الاحتياجات وترتيب الأولويات.

وتمثل هذه المقاربة، التي تبناها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إطار توجهه نحو تقليص الفوارق التنموية بين المناطق، تحولا في طريقة التعاطي مع قضايا التنمية المحلية؛ إذ لا تقتصر المسألة على إطلاق مشاريع من المركز، بل تمتد إلى إشراك السكان في تحديد ما يحتاجون إليه فعليا، سواء تعلق الأمر بالمياه الصالحة للشرب، أو الكهرباء، أو التعليم، أو الصحة، أو فك العزلة، أو دعم الأنشطة الإنتاجية.

وقد شكلت البعثات الوزارية والمنتديات الجهوية للتخطيط التنموي التشاركي، التي سبقت إطلاق المرحلة الأولى، إحدى أبرز أدوات هذه المقاربة، حيث أتاحت جمع مطالب السكان والاستماع إلى انشغالاتهم، قبل تحويل الأولويات المحددة إلى تدخلات ومشاريع ضمن البرنامج.

ومن هنا، فإن القيمة الأساسية لهذا النهج لا تكمن فقط في حجم الأموال المرصودة، بل أيضا في الطريقة التي تُحدد بها المشاريع، ومدى ارتباطها بالحاجات الحقيقية للمواطنين، وقدرتها على تحقيق أثر ملموس ومستدام في حياتهم اليومية.

المرحلة الأولى.. تأسيس للمقاربة واختبار لفعاليتها

أُطلق البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية في نوفمبر 2025، مستهدفا 11 ولاية داخلية، ضمن خطة متعددة القطاعات تشمل التعليم والصحة والمياه والكهرباء وفك العزلة والزراعة والتنمية الحيوانية وتمكين الشباب، إضافة إلى البنى التحتية الرياضية والترفيهية.

وقد صُمم البرنامج على أساس تحديد الاحتياجات المحلية وترتيبها بالتشاور مع السلطات الإدارية والمنتخبين وممثلي السكان، مع تعبئة الموارد وتحديد آجال التنفيذ واختيار الشركات المنفذة وآليات الإشراف والمتابعة. (أمي)

وتُظهر هذه المرحلة أن البرنامج لم يكن مجرد حزمة من المشاريع القطاعية المنفصلة، بل محاولة لتجميع التدخلات الحكومية ضمن رؤية أكثر تكاملا، تجعل تحسين النفاذ إلى الخدمات الأساسية مدخلا لتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية والاجتماعية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن نجاح المرحلة الأولى يقتضي التمييز بين نجاح المقاربة في تحديد الاحتياجات وإطلاق المشاريع، وبين اكتمال تنفيذ جميع مكوناتها وتحقيق أهدافها النهائية.

فالمؤشرات الأولية التي استعرضتها الحكومة خلال اجتماع 22 أكتوبر 2026 وُصفت بأنها مشجعة في عدد من مكونات البرنامج، غير أن تنفيذ المرحلة الأولى لا يزال مستمرا، ومن المقرر أن يمتد حتى مارس 2027. ولذلك، فإن التقييم النهائي لنتائجها يظل مرتبطا باستكمال المشاريع والتحقق من مستوى الإنجاز ومدى انعكاسه على ظروف السكان. (أمي)

ومن هذا المنطلق، فإن النجاح الأهم الذي يمكن تسجيله حتى الآن يتمثل في إرساء مسار تشاركي لتحديد الأولويات، وتحريك تدخلات حكومية تستهدف الخدمات الأساسية، إلى جانب ما أظهرته المتابعة من مؤشرات إيجابية في عدد من المكونات. أما الحكم النهائي على حجم الأثر التنموي، فيحتاج إلى بيانات دقيقة عن الإنجاز الفعلي، ونسب التغطية، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

المرحلة الثانية.. من تحديد الأولويات إلى تسريع الإنجاز

يمنح التحضير للمرحلة الثانية فرصة جديدة لتعزيز المكتسبات ومعالجة الاختلالات التي قد تكون ظهرت خلال تنفيذ المرحلة الأولى.

فالبعثات الوزارية المنتظر إيفادها إلى الولايات الداخلية ليست مجرد إجراء إداري تحضيري، بل تمثل حلقة أساسية في مسار التخطيط، من خلال حصر مطالب المواطنين وتصنيفها بحسب درجة الاستعجال والأثر المتوقع، مع مراعاة خصوصية كل ولاية ومقاطعة وبلدية.

وتزداد أهمية هذه المهمة في ظل تفاوت الاحتياجات بين المناطق؛ فما تحتاج إليه منطقة تعاني نقص المياه قد يختلف عن أولويات منطقة تفتقر إلى المؤسسات التعليمية أو الصحية، أو تعاني صعوبة الوصول إلى الأسواق ومراكز الخدمات بسبب ضعف الطرق ووسائل النقل.

ولهذا، فإن نجاح المرحلة الثانية يتطلب الانتقال من قوائم المطالب العامة إلى تحديد تدخلات واضحة، ترتبط بآجال تنفيذ محددة، وموارد مالية معروفة، ومسؤوليات دقيقة للقطاعات المعنية، مع وضع آليات فعالة لمتابعة الإنجاز وتقييم النتائج.

كما أن إشراك المنتخبين المحليين والمجتمع المدني والوجهاء والشباب ينبغي ألا يظل محصورا في مرحلة جمع المطالب، بل يجب أن يمتد إلى متابعة تنفيذ المشاريع، ورصد الصعوبات، وتقييم مدى استجابة التدخلات للأولويات التي حددها السكان.

الرهان الحقيقي.. تنمية يلمس المواطن نتائجها

إن أي برنامج تنموي، مهما كانت طموحاته، لا تُقاس قيمته الحقيقية بعدد الاجتماعات التي عُقدت أو المشاريع التي أُعلنت، وإنما بما يحدثه من تغيير في حياة المواطنين.

فالمواطن في الداخل الموريتاني ينتظر أن تتحول الوعود إلى مياه متاحة، ومدارس مجهزة، ومراكز صحية قادرة على تقديم الخدمات، وكهرباء تصل إلى التجمعات السكانية، وطرق تسهل التنقل، وفرص اقتصادية تساعد الشباب على الإنتاج والاستقرار.

ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام المرحلة الثانية يتمثل في ضمان ألا تتحول عملية تحديد الأولويات إلى مجرد تجميع للمطالب، بل إلى التزامات قابلة للتنفيذ والقياس، تخضع للمتابعة والمساءلة، وتراعي العدالة في توزيع الموارد بين المناطق.

كما أن الشفافية في نشر المعلومات المتعلقة بالمشاريع، ونسب تقدمها، والآجال المحددة لاستكمالها، ستمنح المواطنين فرصة أكبر لمتابعة البرنامج، وتعزز الثقة في المؤسسات المكلفة بالتنفيذ.

خلاصة.. المقاربة تحتاج إلى استمرارية ونتائج

يمثل البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية أحد أبرز مسارات العمل الحكومي الرامية إلى تقليص الفوارق التنموية، من خلال الجمع بين التخطيط التشاركي والتدخلات الميدانية متعددة القطاعات.

وقد أتاح التحضير للمرحلة الثانية فرصة لتجديد هذا النهج الذي تبناه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، عبر إعادة الاستماع إلى المواطنين وتقييم ما تحقق خلال المرحلة الأولى، قبل تحديد الأولويات المقبلة.

غير أن المحافظة على قيمة هذه المقاربة تقتضي البناء على ما تحقق، ومعالجة جوانب التأخر أو القصور، وربط كل أولوية محددة ببرنامج تنفيذي واضح، يخضع للمتابعة والتقييم.

وفي النهاية، لن يكون المعيار الحقيقي لنجاح هذا المسار هو إطلاق مرحلة ثانية في حد ذاته، بل قدرة الدولة على تحويل صوت المواطن إلى مشروع، والمشروع إلى خدمة، والخدمة إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة.

فالتنمية المحلية الناجحة هي تلك التي تبدأ من حاجات الناس، وتُخطط بمشاركتهم، وتُنفذ وفق أولوياتهم، ويكون أثرها واضحا في حياتهم اليومية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى