المدرسة الجمهورية.. حين تتحول المدرسة إلى مشروع لوطن واحد / محمدمحمود عبدالرحمن

في تاريخ الأمم، ثمة مشاريع تتجاوز حدود المؤسسات التي تنفذها، لتتحول إلى أفكار كبرى تختزل مرحلة كاملة من عمر الدولة والمجتمع. وفي موريتانيا، تبدو المدرسة الجمهورية واحدة من أكثر المشاريع ارتباطاً بهذا المعنى؛ فهي لم تأتِ في ظرف عادي، ولم تُطرح باعتبارها مجرد إصلاح إداري أو تربوي، وإنما ظهرت في لحظة وطنية كان فيها إصلاح التعليم، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، تحديات متداخلة لا يمكن معالجة أحدها بمعزل عن الآخر.
لقد جاءت المدرسة الجمهورية وهي تحمل فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها: أن يجلس أبناء موريتانيا على مقاعد الدراسة نفسها، ويتلقوا التعليم نفسه، ويكبروا وهم يشعرون بأن المدرسة فضاء مشترك لوطن واحد، لا مرآة للفوارق الاجتماعية.
وهنا تكمن أهمية المشروع.
مدرسة لا تفرق بين أبناء الوطن
لم تعد المدرسة، في مفهوم المدرسة الجمهورية، مجرد مكان يتلقى فيه التلميذ دروسه وينصرف؛ إنها فضاء لصناعة المواطن، ومختبر مبكر لبناء صورة المجتمع الذي نريده غداً.
فالطفل الذي يجلس إلى جوار طفل آخر مختلف عنه في البيئة أو الظروف الاجتماعية، ويتقاسم معه الكتاب والمقعد والساحة المدرسية، يتعلم منذ سنواته الأولى أن الاختلاف لا يعني التباعد، وأن المواطنة لا تُبنى على الفوارق، وإنما على المساواة في الحقوق والواجبات.
ومن هنا فإن المدرسة الجمهورية تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الموريتاني: قضية الانسجام الوطني.
فحين تصبح المدرسة فضاءً جامعاً، فإنها لا توحد المناهج فحسب، وإنما تفتح الطريق أمام توحيد التجربة الإنسانية لأبناء الوطن، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للنشأة بعيداً عن كثير من الحواجز التي قد تفرضها البيئة الاجتماعية والاقتصادية.
مشروع جاء في ظرف استثنائي
لم تولد فكرة المدرسة الجمهورية في فراغ.
فقد جاء إطلاقها في سياق كانت فيه المنظومة التعليمية تواجه تحديات متراكمة؛ من تفاوت في جودة التعليم، وتباين في ظروف التمدرس، وفوارق بين المؤسسات والبيئات، فضلاً عن الحاجة إلى بناء مدرسة قادرة على مواكبة طموح مجتمع يتطلع إلى تعليم أكثر عدالة وجودة.
ومن ثم، كان الرهان أكبر من إصلاح مقرر دراسي أو بناء مدرسة جديدة.
كان الرهان هو إعادة تعريف وظيفة المدرسة نفسها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المدرسة الجمهورية باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع لإصلاح التعليم، تستهدف جعل المدرسة العمومية أكثر حضوراً وقدرة على استيعاب أبناء المجتمع بمختلف مكوناته، وتحسين ظروف التمدرس، وتوفير قدر أكبر من تكافؤ الفرص.
إجماع وطني حول الفكرة
ولعل من أهم ما يمنح المدرسة الجمهورية قيمتها أنها تلامس مطلباً يتجاوز الانتماءات السياسية والاجتماعية: الرغبة في مدرسة عادلة وجامعة.
فكرة أن يتلقى أبناء الموريتانيين تعليماً موحداً، وأن تكون المدرسة فضاءً للاندماج لا للتصنيف، ليست فكرة تخص الحكومة وحدها، ولا الأسرة وحدها، ولا المعلم وحده؛ إنها قضية مجتمع بأكمله.
وقد برز دعم واسع لفكرة المدرسة الجمهورية من الأسرة التربوية وروابط آباء التلاميذ والفاعلين في مجال التعليم، باعتبارها مدخلاً لإصلاح المدرسة وتعزيز اللحمة الوطنية.
وهنا تكمن قوة المشروع: أنه لا يخاطب فئة دون أخرى، ولا يقدم المدرسة باعتبارها امتيازاً لفريق، وإنما باعتبارها حقاً مشتركاً لجميع أبناء الوطن.
الغزواني والمدرسة التي أرادها عنواناً للإصلاح
ارتبط مشروع المدرسة الجمهورية، بصورة وثيقة، بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي جعل إصلاح التعليم واحداً من المحاور الأساسية في برنامجه، ودفع باتجاه بناء نموذج تربوي يقوم على توحيد الفرص وتقوية المدرسة العمومية.
وبهذا المعنى، فإن المدرسة الجمهورية تمثل إحدى أبرز البصمات التي ارتبطت بمشروعه الإصلاحي.
وليس المقصود بالبصمة هنا مجرد نسبة المشروع إلى صاحبه السياسي، وإنما الإشارة إلى مشروع سيبقى أثره قابلاً للقياس عبر الأجيال: فإذا استمرت المدرسة الجمهورية في تطوير التعليم، وتقليص الفوارق، وترسيخ ثقافة المواطنة، فإنها ستتحول من برنامج حكومي إلى جزء من الذاكرة المؤسسية للدولة الموريتانية.
فالمشاريع الكبرى لا تُخلّدها الخطب، وإنما قدرتها على البقاء بعد تغير الظروف والأشخاص.
من الزي الموحد إلى وحدة التجربة
ومن الخطأ اختزال المدرسة الجمهورية في الزي المدرسي الموحد، فذلك ليس سوى أحد مظاهر المشروع.
القضية أعمق من ذلك بكثير.
إن جوهر المدرسة الجمهورية هو أن يحصل الطفل الموريتاني على فرصة تعليمية عادلة، وأن تكون جودة التعليم هي المعيار، وأن تصبح المدرسة العمومية قادرة على استعادة مكانتها باعتبارها المؤسسة التي تجمع المجتمع حول أبنائه.
فالزي يمكن أن يوحد المظهر، لكن التعليم الجيد هو الذي يوحد المستقبل.
وإذا كان الزي يضع التلاميذ في صورة متقاربة، فإن المنهج الموحد، والمعلم الكفء، والبنية المدرسية اللائقة، والبيئة التربوية السليمة، هي التي تجعل هذا التقارب حقيقة لا مجرد صورة.
مدرسة اليوم.. وذاكرة الغد
قد تختلف الآراء حول تفاصيل تنفيذ أي إصلاح، وقد يحتاج المشروع إلى مراجعة مستمرة وتقييم دائم، وهذا أمر طبيعي في مسار بناء منظومة تعليمية وطنية.
لكن الفكرة الأساسية تظل أكبر من تفاصيل التنفيذ: موريتانيا تحتاج إلى مدرسة تجمع أبناءها قبل أن تفرقهم الظروف.
ومن هنا، فإن المدرسة الجمهورية ليست مجرد عنوان تربوي عابر، وإنما محاولة لبناء جسر بين موريتانيا التي نعيشها وموريتانيا التي نريدها.
موريتانيا التي يكون فيها الطفل ابن المدرسة قبل أن يكون ابن الحي، وزميله في الفصل قبل أن يكون مختلفاً عنه في البيئة أو الوضع الاجتماعي؛ موريتانيا التي تبدأ فيها المساواة من المقعد الدراسي، ويبدأ فيها الانتماء الوطني من ساحة المدرسة.
بصمة قد تبقى أطول من صاحبها
في نهاية المطاف، قد تتغير الحكومات، وتتبدل السياسات، وتتعدد البرامج، لكن بعض المشاريع تظل شاهدة على مرحلة بعينها.
والمدرسة الجمهورية مرشحة لأن تكون واحدة من تلك المشاريع التي تختزل مرحلة من تاريخ موريتانيا الحديثة؛ لأنها جمعت بين إصلاح التعليم والبحث عن الانسجام الاجتماعي، وجعلت من المدرسة نقطة التقاء بين أبناء وطن واحد.
وإذا نجح هذا المشروع في بلوغ أهدافه، وتحولت المدرسة الجمهورية إلى مؤسسة راسخة تضمن جودة التعليم وتكافؤ الفرص وتحتضن جميع أبناء موريتانيا دون تمييز، فإنها لن تكون مجرد إنجاز في سجل الحكومات، بل ستكون إحدى أبرز بصمات عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وإنجازاً تربوياً تتناقله الأجيال باعتباره مشروعاً بُني للحاضر، لكنه كُتب أساساً للمستقبل.
فالأوطان لا تُبنى بالطرق والجسور وحدها؛
إنها تُبنى أيضاً في الفصول الدراسية، وعلى مقاعد المدارس، وفي عقول الأطفال الذين سيحملون موريتانيا غداً.
