مقالات

المأمورية الثالثة.. هل يكون الحوار فرصة لإعادة صياغة العقد الدستوري؟

يثار هذه الأيام في الأوساط السياسية الموريتانية نقاش متصاعد حول مسألة المأمورية الرئاسية الثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بعد انتقال الدعوات المؤيدة لها من مجرد أحاديث سياسية متفرقة إلى مواقف علنية من شخصيات وأحزاب في الأغلبية.

وفي المقابل، ترى أصوات معارضة أن فتح هذا النقاش يمثل مساساً بمبدأ التناوب السلمي على السلطة وخروجاً على القيود الدستورية الحالية، فيما يذهب بعض منتقدي المبادرة إلى اعتبارها محاولة مبكرة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية بما يخدم بقاء الرئيس في السلطة.

لكن اللافت في هذا الجدل أن بعض الداعمين للرئيس ينظرون إلى إثارة القضية في هذا التوقيت باعتبارها نوعاً من التشويش على مأمورية لم تنته بعد، بل لم تبلغ حتى منتصفها وفق القراءة التي كانت متداولة عند بداية هذا النقاش. ومن هذا المنظور، فإن الحكم على تجربة الرئيس ينبغي أن يتم من خلال حصيلتها ونتائجها، لا من خلال استباق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وبعيداً عن المواقف المؤيدة أو الرافضة للمأمورية الثالثة، فإن القضية تطرح سؤالاً أكبر: هل تحتاج موريتانيا اليوم إلى مجرد تعديل جزئي للدستور، أم إلى مراجعة دستورية شاملة تستجيب للتحولات التي عرفها المجتمع والدولة خلال السنوات الماضية؟

فموريتانيا ليست هي موريتانيا التي صيغت لها بعض قواعد النظام السياسي قبل سنوات. المجتمع تغير، والوعي السياسي تطور، وتوسعت مطالب المواطنين، وتبدلت طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما ظهرت تحديات جديدة تتعلق بالحكامة، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، وتمثيل الشباب والنساء، واللامركزية، وفعالية المؤسسات.

ومن هنا تأتي أهمية الحوار الوطني المرتقب، الذي استغرقت التحضيرات له أشهراً طويلة، وشهدت مسيرته نقاشات واختلافات واهتزازات سياسية قبل الوصول إلى الوثائق والإطار الذي سيؤسس لانطلاقه. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الحوار يقوم على محاور واسعة تشمل الوحدة الوطنية، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وتمكين الفئات الهشة، مع ترك مساحة لمناقشة تطوير النموذج الديمقراطي والمؤسساتي.

وهنا يمكن أن تتحول قضية المأمورية الثالثة من عنوان للصراع السياسي إلى مدخل لنقاش أوسع وأكثر عمقاً حول مستقبل النظام السياسي الموريتاني.

فإذا كانت هناك قناعة لدى جزء من الطبقة السياسية بأن الدستور يحتاج إلى التعديل، فلا ينبغي أن يكون النقاش محصوراً في عدد المأموريات الرئاسية وحده. بل من الأجدى أن تكون هناك مراجعة شاملة ومتوازنة للدستور، تحدد بوضوح قواعد تداول السلطة، وصلاحيات المؤسسات، والعلاقة بين السلط، وضمانات استقلال القضاء، ودور البرلمان، وآليات الانتخابات، والحكامة المحلية، وغيرها من القضايا التي أصبحت جزءاً من متطلبات الدولة الحديثة.

والأهم من ذلك أن أي تعديل دستوري يجب أن يكون توافقياً، واضح الأهداف، ومحصناً من أن يتحول إلى تعديل مخصص لشخص أو مرحلة سياسية بعينها.

فالدستور ليس وثيقة تُكتب من أجل رئيس، ولا من أجل حزب، ولا من أجل أغلبية سياسية مؤقتة؛ وإنما هو العقد الذي ينظم حياة الدولة والمجتمع لعقود. ولذلك فإن تعديل الدستور ينبغي أن ينطلق من سؤال: ماذا نريد لموريتانيا بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟ لا من سؤال: من نريد أن يبقى في السلطة بعد نهاية المأمورية الحالية؟

وفي هذا السياق، فإن الحوار المرتقب يمثل فرصة ثمينة للنخب السياسية والمجتمعية الموريتانية كي تتجاوز السجال حول الأشخاص إلى نقاش المؤسسات، وتتجاوز الحسابات الانتخابية الآنية إلى التفكير في قواعد سياسية مستقرة.

وقد أكد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في تصريحات حديثة، أنه لا يدعم أي مسار يخالف الدستور أو إرادة الشعب، كما قال إنه لا يرى ارتباطاً بين الحوار السياسي وموضوع المأموريات. وهذه المواقف، إن كانت هي المرجعية، تفتح الباب أمام حوار أكثر هدوءاً حول الإصلاح الدستوري بعيداً عن فرض نتيجة مسبقة.

إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى دستور أكثر انسجاماً مع واقعها الجديد، وإلى مؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، وإلى قواعد سياسية يتفق عليها الجميع قبل أن يحتاج أي طرف إلى الاحتجاج بها أو الدفاع عنها.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح في الحوار ليس فقط: هل تكون هناك مأمورية ثالثة أم لا؟

بل السؤال الأعمق هو:

أي دستور نريد لموريتانيا؟ وأي نظام سياسي نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟

فإذا نجحت النخب الموريتانية في تحويل الجدل الحالي من صراع حول شخص الرئيس إلى نقاش حول مستقبل الدولة، فقد تتحول هذه اللحظة السياسية، بكل ما رافقها من توتر وتجاذبات، إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء التوافق الوطني وتطوير العقد الدستوري بما ينسجم مع التحولات المجتمعية الجديدة.

أما إذا اختُزل الحوار كله في قضية المأمورية الثالثة، فقد تضيع فرصة أكبر بكثير من عمر مأمورية أو شخص رئيس؛ وهي فرصة بناء قواعد سياسية مستقرة، يتفق عليها الموريتانيون اليوم، ويجدون فيها ضماناً لمستقبل بلدهم غداً.
مركز تلماس للإعلام و التنمية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى