مقالات

تلماس : عودة 35 موريتانياً من مالي.. الدولة حين تتحول المسؤولية الوطنية إلى فعل

لم تكن عودة 35 مواطناً موريتانياً إلى أرض الوطن، بعد نحو ثلاثة أسابيع من الاحتجاز في مالي، مجرد خبر عابر في المشهد اليومي، بل شكلت محطة جديدة تؤكد أن الدولة الموريتانية تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم أولوية ثابتة، وأن حماية المواطن والدفاع عن حقوقه لا تتوقف عند حدود الوطن.

وصول المواطنين إلى مطار النعمة، قادمين من مالي بعد الإفراج عنهم، حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن الدولة تتابع أوضاع أبنائها في الخارج، وأن المواطن الموريتاني، أينما وجد، ليس بعيداً عن اهتمام مؤسسات بلاده.

قرار رئاسي في الوقت المناسب

الأهمية السياسية والإنسانية لهذه العملية تتجلى بصورة خاصة في ما أعلنه السفير المدير العام للموريتانيين في الخارج، محمد مولود ولد محمد سالم، من أن الإفراج عن المواطنين وعودتهم جاءا نتيجة تدخل مباشر من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى جانب المتابعة والتنسيق بين وزارتي الخارجية والدفاع.

وهنا تبرز قيمة القرار الرئاسي؛ فالتدخل في مثل هذه الملفات الحساسة يحتاج إلى تقدير دقيق للموقف، وإلى تحرك دبلوماسي وأمني هادئ، يأخذ في الاعتبار طبيعة العلاقات بين الدول وحساسية الظروف المحيطة بالملف.

وقد أظهر هذا التدخل أن حماية المواطن ليست شعاراً يرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية تتحول عند الحاجة إلى تحرك فعلي، تشارك فيه مؤسسات الدولة المعنية وفق رؤية موحدة.

الدبلوماسية الموريتانية.. حضور هادئ وفعّال

كما تكشف هذه القضية عن أهمية العمل الدبلوماسي بعيداً عن الضجيج الإعلامي. فالملفات التي تتعلق بمواطنين محتجزين خارج البلاد لا تُدار عادة بالتصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى اتصالات ومفاوضات وتنسيق مستمر، مع مراعاة الظروف السياسية والأمنية للدولة التي يوجد فيها المواطنون.

ومن هذه الزاوية، فإن التنسيق بين وزارتي الخارجية والدفاع يعكس تعاملاً مؤسسياً مع القضية، ويؤكد أن حماية المواطنين في الخارج مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الأدوات الدبلوماسية والأمنية، كلٌّ في حدود اختصاصه.

35 مواطناً.. 35 قصة عائلية عادت إلى الوطن

خلف الرقم 35 توجد عائلات عاشت خلال الأسابيع الماضية حالة من القلق والترقب، تنتظر خبراً يطمئنها على أبنائها وذويها.

ولذلك فإن وصول هؤلاء المواطنين إلى مطار النعمة لا يمثل فقط نهاية فترة احتجاز، بل يمثل بالنسبة إلى أسرهم عودة الأمان وطي صفحة من القلق والانتظار.

واللافت في العملية أن السلطات لم تكتفِ بتأمين عودتهم إلى الأراضي الموريتانية، بل باشرت إجراءات نقل 30 منهم إلى بلداتهم داخل الحوض الشرقي، فيما واصل خمسة آخرون طريقهم إلى نواكشوط رفقة البعثة الدبلوماسية.

وهذا التفصيل، رغم بساطته، يحمل دلالة مهمة: العناية بالمواطن لم تنتهِ بمجرد الإفراج عنه، وإنما استمرت إلى حين تأمين عودته إلى وجهته.

الدولة التي لا تترك أبناءها خلف الحدود

تكمن الرسالة الأوسع في هذه الواقعة في أن مفهوم الدولة الحديثة لا يقتصر على حماية المواطن داخل الإقليم الوطني، بل يمتد إلى متابعته ورعاية مصالحه عندما يكون خارج الحدود.

وفي عالم تتزايد فيه حركة المواطنين بين الدول بحثاً عن العمل والدراسة والتجارة وتحسين الظروف المعيشية، تصبح حماية الجاليات ومتابعة أوضاعها جزءاً أصيلاً من مسؤولية الدولة.

ومن هنا، فإن القرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية بالتدخل في هذا الملف، والمتابعة التي قامت بها القطاعات الحكومية المعنية، يمثلان نموذجاً عملياً لما ينبغي أن تكون عليه علاقة الدولة بمواطنيها في الخارج.

رسالة ثقة للموريتانيين

بعيداً عن تفاصيل القضية، فإن عودة المواطنين تحمل أيضاً رسالة طمأنة إلى آلاف الموريتانيين الموجودين خارج البلاد، مفادها أن دولتهم تتابع أوضاعهم، وأن المؤسسات الوطنية مستعدة للتحرك عندما تقتضي الضرورة.

وهي رسالة مهمة، خصوصاً بالنسبة إلى المواطنين الذين يضطرون إلى السفر بحثاً عن فرص العمل أو التجارة أو تحسين ظروفهم المعيشية.

إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية مواطنيها والتدخل لحل مشكلاتهم، خصوصاً عندما يجدون أنفسهم في ظروف استثنائية خارج الوطن.

قرار يستحق الإشادة

إن قرار رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بالتدخل من أجل الإفراج عن المواطنين الموريتانيين المحتجزين في مالي يستحق الإشادة، ليس فقط لأنه أسهم في إنهاء معاناة 35 مواطناً، وإنما لأنه يجسد مبدأ بالغ الأهمية: المواطن الموريتاني له قيمة واعتبار، والدولة مسؤولة عن حمايته أينما كان.

كما أن نجاح العملية يبرز أهمية التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، ويعكس قدرة الدبلوماسية الموريتانية على التعامل مع الملفات الحساسة بمنهج هادئ ومسؤول.

وفي النهاية، فإن مشهد وصول المواطنين إلى مطار النعمة، ثم توجههم إلى بلداتهم وأسرهم، يختصر الكثير من المعاني: مواطنون عادوا إلى وطنهم، عائلات استعادت الطمأنينة، ومؤسسات دولة تحركت في الوقت المناسب.

وهكذا تتحول المسؤولية الوطنية من مجرد التزام قانوني أو سياسي إلى ممارسة ملموسة يشعر بها المواطن في أصعب لحظاته.

فالدولة القوية ليست تلك التي تتحدث كثيراً عن حماية مواطنيها، وإنما تلك التي يجد المواطن أثر حمايتها عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها.
الأعلامي محمدمحمود محمدسالم

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى