تلماس : الشباب في خطاب الرئيس.. من الاحتفاء بالمناسبة إلى رهان بناء المستقبل

في اليوم العالمي للشباب، اختار فخامة رئيس الجمهورية أن يوجّه رسالة مباشرة إلى شباب موريتانيا، حاملةً في ظاهرها عبارات التهنئة والتحية، لكنها في مضامينها تتجاوز حدود المناسبة الاحتفالية إلى استحضار مكانة الشباب في حاضر البلاد ومستقبلها، وما يترتب على الدولة والمجتمع من مسؤوليات تجاه هذه الفئة التي تمثل رصيد الأمة وعدتها للمستقبل.
ولعل أول ما يستوقف في خطاب الرئيس قوله: «أنتم قوة الحاضر وبُناة المستقبل»؛ وهي عبارة تختزل رؤية تقوم على أن الشباب ليسوا مجرد جيل ينتظر دوره، وإنما هم شركاء في صناعة الحاضر، وأصحاب النصيب الأوفر في تشكيل صورة موريتانيا القادمة. فحين يُنظر إلى الشباب باعتبارهم قوةً فاعلة، فإن ذلك يستدعي سياسات عمومية تتيح لهم الانتقال من موقع التلقي إلى فضاء المشاركة والإسهام.
ويبدو أن الرسالة الرئاسية قد تعمدت ربط الحديث عن الشباب بثلاثة عناوين رئيسية: التكوين، والتشغيل، وتشجيع المبادرات. وهي ثلاثية تكاد تختصر أهم التحديات التي تواجه الشباب اليوم؛ إذ لا يمكن أن يكون التكوين فاعلاً ما لم يفضِ إلى فرص حقيقية، ولا يمكن للتشغيل أن يكون مستداماً ما لم يستند إلى تأهيل جيد، كما أن المبادرات الشبابية تحتاج إلى بيئة حاضنة تمنح أصحابها فرصة التجربة والنجاح.
التكوين.. مفتاح الولوج إلى المستقبل
حين يشير الخطاب إلى «تكوين يفتح الأبواب»، فإن المعنى يتجاوز توفير التعليم في صورته التقليدية، ليطرح مسألة مدى ارتباط التكوين بحاجات سوق العمل ومتطلبات الاقتصاد الوطني.
فالشاب الموريتاني اليوم يحتاج إلى تكوين يمنحه المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة، سواء داخل سوق العمل الوطنية أو في الفضاء الإقليمي والدولي. ومن هنا تبرز أهمية التعليم الفني والمهني، والتخصصات الرقمية، والمهارات الحديثة، إلى جانب تطوير التعليم الجامعي بما يجعله أكثر التصاقاً بحاجات التنمية.
التشغيل.. حين يصبح العمل صوناً للكرامة
أما عبارة «تشغيل يصون الكرامة»، فهي من أكثر العبارات دلالة في الرسالة؛ لأن العمل في الوعي الاجتماعي ليس مجرد مورد للعيش، بل هو أيضاً اعتراف بقدرة الإنسان على الإنتاج والاستقلال وصناعة مستقبله.
وتظل قضية تشغيل الشباب من أكبر الرهانات المطروحة أمام السياسات العمومية، خصوصاً في ظل تزايد أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل. ولذلك فإن نجاح أي سياسة شبابية لا يقاس بعدد البرامج والمبادرات المعلنة فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل الطاقات الشابة إلى فرص إنتاج حقيقية، وإلى مشاريع ومؤسسات ومهن تحفظ للشباب مكانتهم ودورهم في المجتمع.
المبادرات الشبابية.. من الفكرة إلى الإنجاز
وفي حديث الرئيس عن «رعاية مبادراتكم أينما كنتم، في المدن كما في الأرياف»، تبرز إشارة مهمة إلى ضرورة ألا تظل التنمية الشبابية محصورة في المراكز الحضرية.
فالشباب في المدن والداخل يملكون أفكاراً وطموحات ومبادرات قابلة للتحول إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي، إذا توفرت لها المواكبة والتمويل والتأطير. ومن ثم، فإن دعم المبادرات ينبغي أن يتحول من مجرد تشجيع معنوي إلى منظومة متكاملة تتيح للشباب تحويل أفكارهم إلى واقع ملموس.
المشاركة.. الشباب شريك لا متفرج
ولم يغفل الخطاب جانب المشاركة، حين دعا الرئيس الشباب إلى «تعزيز مشاركتكم بثقة ومسؤولية». وهذه الدعوة تحمل بعداً يتجاوز المشاركة في الحياة العامة بمعناها الضيق، لتشمل الإسهام في التنمية، والعمل التطوعي، والمبادرات المجتمعية، والانخراط الواعي في القضايا الوطنية.
فالدولة تستطيع أن تضع السياسات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع المستقبل. والمجتمع الذي يريد أن ينهض بحاجة إلى شباب يملكون روح المبادرة، ويؤمنون بأن خدمة الوطن لا تكون بالانتظار، وإنما بالعمل والمثابرة وتحمل المسؤولية.
خطاب يضع الشباب أمام مسؤوليتهم
ومن اللافت أن الرسالة لم تكن خطاب مطالب فقط، بل كانت أيضاً خطاب مسؤولية. فالرئيس، بعد أن أكد التزام الدولة تجاه الشباب، دعاهم إلى «مواصلة العمل والجهد في بناء وطننا الغالي».
وهنا تكتمل صورة العلاقة المنشودة: دولة توفر التكوين والفرص والرعاية، وشباب يقابلون ذلك بالجد والاجتهاد والمبادرة والمسؤولية. إنها معادلة لا تستقيم إلا بتكامل الواجبات، فلا التنمية ممكنة دون مؤسسات داعمة، ولا يمكن للمؤسسات أن تحقق أهدافها دون طاقات شابة واعية ومؤهلة.
الشباب.. رهان موريتانيا الأكبر
في المحصلة، تبدو رسالة فخامة رئيس الجمهورية بمناسبة اليوم العالمي للشباب أقرب إلى خارطة عناوين لرهان وطني طويل المدى، عنوانه الإنسان الموريتاني الشاب.
فالاحتفاء بالشباب لا ينبغي أن يكون موسماً عابراً يتكرر كل عام، وإنما مناسبة لتجديد النظر في السياسات الموجهة إليهم، وقياس ما تحقق، واستشراف ما ينبغي إنجازه. وموريتانيا، وهي تتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً، لا تملك رصيداً أثمن من شبابها، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن يبلغ غايته ما لم يكن الشباب في قلبه.
ومن هنا، فإن أجمل ما يمكن أن يُقال في اليوم العالمي للشباب ليس فقط: كل عام وأنتم بخير، وإنما: كل عام وأنتم أكثر حضوراً في صناعة القرار، وأوسع مشاركة في التنمية، وأقرب إلى فرص التكوين والعمل، وأكثر قدرة على تحويل الطموح إلى إنجاز.
فالشباب، كما قال الرئيس، قوة الحاضر وبناة المستقبل؛ وما يُبنى اليوم بأيديهم هو في نهاية المطاف صورة موريتانيا التي ستعيش غداً.
الاعلامي محمدمحمود محمدسالم
