مقالات

الحوار الوطني… عندما تتحول العناوين الكبرى إلى مشروع دولة/ الأعلامي محمدمحمود محمدسالم

لا يختلف اثنان على أن الحوار الوطني المرتقب يمثل واحدة من أهم المحطات السياسية في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، ليس لأنه يجمع الفرقاء السياسيين حول طاولة واحدة فحسب، بل لأنه يطرح قضايا تمس جوهر الدولة ومستقبلها. فالمحاور الأربعة التي تضمنتها وثيقة الحوار ليست مجرد عناوين تقنية، وإنما تشكل خارطة طريق لأي مشروع إصلاحي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار وتعزيز التنمية.

ويأتي محور الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي في صدارة هذه الأولويات، باعتباره القاعدة التي تُبنى عليها بقية الإصلاحات. فلا تنمية مستدامة ولا استقرار سياسي يمكن أن يتحققا في غياب مجتمع يشعر جميع أفراده بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الانتماء إلى الوطن يعلو على كل الانتماءات الأخرى. ومن هنا، فإن نجاح الحوار في هذا المحور سيقاس بقدرته على ترسيخ الثقة وتعزيز قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية.

أما النموذج الديمقراطي، فهو فرصة لمراجعة التجربة الوطنية بعيدًا عن منطق الغالب والمغلوب. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات دورية، بل منظومة متكاملة تقوم على مؤسسات قوية، واحترام القانون، وضمان الحريات، ووجود معارضة فاعلة وأغلبية تتحمل مسؤولية الحكم. والمطلوب اليوم هو تطوير هذه التجربة بما يضمن استقرارها ويعزز ثقة المواطنين في العمل السياسي.

ويحظى نموذج الحوكمة بأهمية لا تقل عن غيره، لأن جودة الإدارة العمومية أصبحت معيارًا لنجاح الدول. فكل حديث عن التنمية ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات يظل مرتبطًا بوجود إدارة أكثر كفاءة وشفافية، ومؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة، تجعل المواطن شريكًا في التنمية لا مجرد متلقٍ للخدمات.

وفي الجانب الاجتماعي، يكتسب محور إدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات أهمية متزايدة في ظل التحولات الاقتصادية والإقليمية. فتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي، والاستعداد لمواجهة المخاطر الأمنية والبيئية، كلها رهانات تفرضها المرحلة، وتستدعي رؤية شاملة توازن بين متطلبات الأمن وأولويات التنمية.

في النهاية، تبدو المحاور الأربعة مترابطة بصورة يصعب الفصل بينها؛ فالوحدة الوطنية تحتاج إلى ديمقراطية راسخة، والديمقراطية لا تزدهر دون حوكمة رشيدة، والحوكمة لا تحقق أهدافها إذا لم تصل آثارها إلى الفئات الأكثر هشاشة. لذلك، فإن نجاح الحوار لن يكون في كثرة جلساته أو حجم المشاركين فيه، وإنما في قدرته على إنتاج توافقات قابلة للتطبيق، تفتح أمام موريتانيا مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح، والثقة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات
الأعلامي محمدمحمود محمدسالم

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى