مقابلات وتحقيقات

دفاع فطوم : مادة التكييف القانوني للنيابة لا تطابق التهمة الموجهة لموكلتنا

في محكمة نواكشوط الغربية، حيث تلتقي العدالة بالبيروقراطية وتُصفّف الأوراق كما تُصفّف الخيبات، كانت الناشطة “الشيخة فطوم” تقف كقصيدة متمردة في زمن النثر الركيك. دخلت القاعة لا لتدافع عن نفسها، بل لترقب عرضاً مسرحياً رُتبت مقاعده على عجل.
​وقف الدفاع، الأستاذان محمد محمود ولد الناه ومولاي ولد الحافظ، يرتديان جبّة القانون السامقة، ويحملان أسلحة المنطق في وجه طواحين الهواء. فككا التهم تلو التهمة كعاشقين يقرآن رسالة قديمة ممزقة، يصرخان في وجه الصمت: “أين التكييف القانوني؟ أين السند؟” النيابة العامة، في عُرف هذا الزمن، صاغت التهمة كما تُصاغ الوعود العاطفية؛ براقة من الخارج، وجوفاء من الداخل، بلا أساس متين يستند إليه قلب أو مادة قانونية. واعتبر الدفاع، بكثير من النبل وقليل من الأمل، أن الملف شابه من الاختلالات الإجرائية ما يشوب قصص الحب من سوء تفاهم.
​ثم، جاءت ذروة الكوميديا السوداء، تلك التي تجعلك تبكي ضحكاً أو تضحك وجعاً!
​تقدم القاضي الموقر، بوقار يليق بالمنصّة، ليفحص “القرص الصلب”. ذلك الحرز الثمين الذي قدمته النيابة وفي جعبته “أدلة الإدانة” وقصائد الاتهام التي ستُلقي بفطوم خلف القضبان. وكم كانت الدهشة، تلك الدهشة التي تشبه أن تفتح رسالة حب طويلة لتجدها ورقة بيضاء!
​القرص الصلب.. كان خالياً! تماماً كوعود الرجال في ديسمبر، أو كجيوب الفقراء في نهاية الشهر. لم يكن فيه دليل، ولا صوت، ولا صورة. مجرد فراغ إلكتروني باذخ، فراغ يختزل عبثية المشهد. النيابة التي حشدت أدلتها، نسيت أن تضع في القرص شيئاً يُذكر، أو ربما آمنت أن “الصمت في حرم الجمال.. إدانة!”.
​هنا، وفي رواية طبيعية، كان ينبغي للستار أن يسدل، وللبراءة أن تعلن توبتها من غياهب الظنون. لكننا في واقع يغار من السريالية؛ تجاوز قاضي التحقيق الموقف ببساطة مذهلة، وبذات الوقار الذي بدأ به، قرر إرجاع الشيخة فطوم إلى السجن.
​أعادوها إلى زنزانتها، لا لأنها مذنبة، بل لأن القرص كان فارغاً من الأدلة، وممتلئاً بالخيبة. هكذا تُكتب القصص في نواكشوط: يُسجن الجسد لأن التهمة لم تجد ما ترتديه من أدلة، وتبقى الحرية معلقة على رصيف الانتظار، في انتظار قرص صلبٍ آخر، قد يحمل ذات يوم.. بعضاً من المنطق.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى