بيان سياسي: حول واقع العمل الحزبي وعزوف الشباب: قراءة نقدية من مقاطعة تيارت

في إطار الهيكلة الجديدة لحزب الإنصاف، وتنفيذًا لتوجيهات قيادته، وما يرافق ذلك من إرسال وفود قيادية إلى الولايات لشرح مضامين المؤتمر الأخير، فإن من واجبنا كفاعلين سياسيين التوقف بجدية ومسؤولية عند واقع العمل الحزبي ومآلاته، خاصة حين يتعلق الأمر بحزب حاكم يُفترض أن يكون الأداة الأساسية للتأطير السياسي، وبناء الثقة، وتفعيل المشاركة الشعبية.
من موقعي كفاعل سياسي في مقاطعة تيارت، أرى أن العمل السياسي في موريتانيا عرف خلال السنوات الأخيرة تراجعًا مقلقًا في مضمونه، حيث تم تفريغه تدريجيًا من محتواه الحقيقي، وتحويله في كثير من الأحيان إلى ممارسة موسمية ظرفية، تحكمها اعتبارات آنية، وتغيب عنها الرؤية السياسية الواضحة والالتزامات المتبادلة بين الحزب وقواعده.
ويُعد حزب الإنصاف، بصفته حزبًا حاكمًا، مثالًا دالًا على هذا الاختلال؛ إذ إن العلاقة التي كان يُفترض أن تقوم على عقد سياسي وأخلاقي متين مع المناضلين، شهدت تراجعًا واضحًا بفعل ضعف الوفاء بالالتزامات، وغياب التقدير الفعلي للجهود النضالية، والاكتفاء باستدعاء القواعد الشعبية في محطات تعبوية محدودة، دون إشراك حقيقي في القرار أو بناء حزبي مستدام.
وقد انعكس هذا الواقع سلبًا على المزاج السياسي العام، ولا سيما في أوساط الشباب، الذين بات الإحباط السمة الغالبة على علاقتهم بالخطاب السياسي والمبادرات الحزبية، نتيجة تراكم خيبات الأمل، وتكرار الوعود غير المنجزة، وغياب آفاق المشاركة الجادة. وما تعرفه مقاطعة تيارت من عزوف سياسي متزايد في صفوف الشباب ليس إلا تعبيرًا صريحًا عن أزمة ثقة عميقة، وترجمة طبيعية لفشل أدوات العمل السياسي التقليدية في استيعاب تطلعات الجيل الجديد.
إن هذا الجيل أصبح ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالًا يحتاج إلى مراجعة جذرية وشاملة، وإلى إعادة ترتيب الأولويات، وفتح المجال أمام نخبة جديدة، مؤتمنة، ومؤهلة، وقادرة على إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وربطه بقيم المسؤولية، والصدق، وخدمة الصالح العام.
وانطلاقًا من هذا التشخيص، فإنني أوجّه دعوة صادقة ومسؤولة إلى القيادة الجديدة لحزب الإنصاف، وعلى رأسها رئيس الحزب السيد *محمد ولد بلال* ، من أجل الشروع في مراجعة شاملة وجريئة، تقوم على الغربلة الحقيقية، وتقييم الأداء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة بناء العلاقة مع القواعد الشعبية، وخاصة فئة الشباب، على أسس واضحة وعادلة، بما يعيد للحزب مساره الطبيعي كحزب حاكم فاعل، لا مجرد إطار تعبوي ظرفي.
إن استعادة الثقة بين الحزب ومناضليه لم تعد خيارًا تكتيكيًا أو مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة سياسية ووطنية لضمان حيوية العمل الحزبي، وتعزيز المشاركة السياسية، وصيانة المشروع الوطني.
والله من وراء القصد.
محمد عبد الله احبيب
فاعل سياسي – مقاطعة تيارت
التاريخ 16 يناير 2026
