مقالات

جسور لا تمحوها السياسة: عروق موريتانية ومغربية تنبض بدم واحد | علي محمد امليويح

تجمع بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية أواصر فريدة من نوعها، لا تقف عند الحدود الجغرافية أو المصالح السياسية المتبادلة، بل تغوص جذورها في أعماق التاريخ، وتتغذى من روابط الدم والنسب والثقافة المشتركة. ورغم ما قد تطفو على السطح أحياناً من توترات سياسية أو نقاشات إعلامية عابرة تفرضها تعقيدات الملفات الإقليمية، يظل الثابت الراسخ أن الشعبين الشقيقين في موريتانيا والمغرب هما أهل عشيرة واحدة يجمعهما مصير مشترك لا يمكن لأي خلاف عارض أن يضعفه.

إن أصدق تعبير عن عمق العلاقة بين البلدين يتجسد في تلك البيوت والأسر التي تتقاسم الهويتين؛ حيث تتلاقى القلوب وتتداخل العائلات لتصنع مجتمعاً عائلياً واسعاً يمتد من نواكشوط إلى الرباط. كم من أم مغربية ترتضع حبها لأرض موريتانيا في قلوب أبنائها، وكم من أب موريتاني يصهر ثقافته البيضانية في وجدان أسرته المغربية! هذه المصاهرة اليومية والروابط الدموية تجعل أي محاولة للوقيعة بين الشعبين غريبة عن طبيعة العلاقات الإنسانية التي تنسج خيوطها في كل بيت تقريبا، وتؤكد أن الوجدان الشعبي في البلدين أكبر بكثير من أي تباين في المواقف السياسية.

على الصعيد المؤسسي والبشري، لعبت المؤسسات التعليمية والعسكرية والمدنية في المملكة المغربية دوراً تاريخياً بارزاً في تكوين أجيال متعاقبة من النخب الموريتانية. فقد فتحت الجامعات والمعاهد العليا المغربية أبوابها لعقود طويلة أمام الطلبة الموريتانيين، ليعودوا إلى وطنهم أطباء ومهندسين وقادة ومفكرين يسهمون في بناء وتطوير الدولة الموريتانية الحديثة. هذا الرصيد المعرفي والإنساني المشترك خلق لغة تفاهم عميقة ووداً متبادلاً بين أطر البلدين، يظل حيّاً وفاعلاً بغض النظر عن تقلبات المشهد السياسي الرسمي.

إلى جانب البعد الإنساني، تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين موريتانيا والمغرب تكاملاً وديناميكية متنامية. وتُعد التبادلات التجارية وحركة النقل البري والجوي والتعاون في قطاعات الصيد البحري، الطاقة، والتعليم العالي شواهد حية على تشابك المصالح الحيوية. إن استقرار ونماء البلدين يرتكز أساساً على تعزيز الشراكة الاقتصادية، فالجار أقرب للجار، والمصلحة المشتركة تفرض التعاون والتكامل لا التنافر، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الإقليمية الكبرى التي تواجه المنطقة ككل.

إن الخلافات في وجهات النظر السياسية أو الدبلوماسية إزاء بعض القضايا الإقليمية هي أمر طبيعي تفرضه سياسات الدول واجتهاداتها الدبلوماسية. لكن السياسات تتبدل، والحكومات تأتي وتذهب، وتبقى الشعوب ثابتة في أصولها وقيمها ومحبتها لبعضها البعض.

إن الوعي الجمعي اليوم في موريتانيا والمغرب يدرك أكثر من أي وقت مضى أهمية الحفاظ على صفاء هذه العلاقة الأخوية، والترفّع عن المهاترات الإعلامية أو الحملات التي تهدف إلى تأجيج النفوس وتسميم الجوار. فالاستقرار، والأمن، والازدهار هي غايات مشتركة لا يمكن تحقيقها إلا بالتضامن وحسن الجوار.

إن موريتانيا والمغرب شقيقان تجمعهما أواصر التاريخ والجغرافيا والدم والمصير. وحين تشتد الأزمات، تظل عرى الأخوة الحقيقية هي الحصن الأبي الذي تذوب عنده كل الخلافات. فليكن صوت الحكمة والتعقل هو الغالب، ولتبقى أواصر المحبة بين الشعبين الموريتاني والمغربي منبعاً دائماً للاستقرار والتآخي والازدهار المشترك.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى