آدرار تستقبل رئيس الجمهورية.. أربع محطات وولاية واحدة تتحدث بلغة التنمية والانفتاح

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى ولاية آدرار مجرد محطة بروتوكولية عابرة، ولا جولة ميدانية تكتفي بالتحية والاستماع؛ بل بدت، في محطاتها الأربع، محاولة لفتح نافذة واسعة بين الدولة وسكان الولاية، والاستماع إلى مطالبهم من قلب مدنهم وواحاتهم وواقعهم اليومي.
من أطار إلى وادان، ومن شنقيط إلى أوجفت، حملت الزيارة عنواناً واحداً: الإنصات للمواطن، وتشخيص الاختلالات، وربط التنمية بالحاجات المحلية، وفتح النقاش حول مستقبل الولاية والبلاد.
وكان اللافت أن الرئيس لم يكتفِ بالحديث من منصة واحدة، بل اختار أن يلتقي أطر ووجهاء وفاعلي كل مقاطعة، لتتحدث كل منطقة عن خصوصيتها ومطالبها، ولتأتي الإجابات مرتبطة بطبيعة كل مقاطعة وإمكاناتها.
أطار.. البداية من عاصمة الولاية
كانت أطار المحطة الأولى، ومنها انطلقت الزيارة وسط استقبال شعبي كبير، عكس حجم الحضور الجماهيري وحفاوة سكان عاصمة الولاية.
وفي أطار وضع الرئيس الإطار العام للزيارة، معلناً أن هدفها الأول هو الاستماع إلى السكان والاطلاع على مشاكلهم وأولوياتهم، والثاني هو إطلاعهم على الوضع العام للبلاد وفتح نقاش مباشر حول القضايا الوطنية الكبرى.
وفي الملفات التنموية، برزت تعهدات واضحة، من أبرزها ربط أطار بالشبكة الكهربائية الوطنية قبل نهاية السنة، وإطلاق إعادة بناء 75 كيلومتراً من طريق أكجوجت–أطار كمرحلة أولى، ومواصلة البحث عن حل مستديم لمشكلة المياه، وإعادة بناء الطرق الحضرية في المدينة.
كما أعلن الرئيس عن مواصلة العمل على تطوير الزراعة الواحاتية وتعزيز الجاذبية السياحية للولاية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على توفير الخدمات الأساسية، وإنما يجب أن تنتقل إلى خلق نشاط اقتصادي وفرص عمل.
أما خصوصية استقبال أطار، فكانت في حجم الحشود التي اصطفت منذ المطار وعلى امتداد الشوارع، قبل أن تتوج بمهرجان شعبي كبير، بدا فيه المواطنون وكأنهم يريدون أن يقولوا إن عاصمة آدرار لم تكن تستقبل رئيساً فحسب، بل كانت تستقبل فرصة لعرض صورة الولاية ومطالبها مباشرة أمام أعلى سلطة في البلاد.
وفي لقاء الأطر، ظهرت صورة أخرى من أطار: حضور شبابي واسع، ومداخلات متنوعة، ومطالب تجاوزت الخدمات إلى قضايا التنمية وفرص العمل وتحسين ظروف الحياة.
وادان.. مدينة التاريخ تتحدث بلغة الطريق والماء
من أطار اتجه الرئيس إلى وادان، المدينة التاريخية التي استقبلته بمشهد مختلف، تختلط فيه الذاكرة بالتنمية، والتراث بالحاضر.
كان استقبال وادان ذا طابع خاص؛ فقد اصطف السكان على الطريق، وشارك الجمالة والخيل في المشهد، في صورة تعكس خصوصية المدينة وتراثها العريق.
لكن خلف المشهد الاحتفالي كانت هناك مطالب واضحة: الطريق، والماء، وتثبيت السكان، وخلق نشاط اقتصادي قادر على إبقاء الشباب داخل مدينتهم.
وهنا جاء أحد أبرز التعهدات المباشرة في الزيارة: إدراج طريق وادان ضمن ميزانية الدولة لسنة 2027، مع مواصلة الجهود لإيجاد حل نهائي لمشكلة المياه.
كما أوضح الرئيس أن دراسة متخصصة للتنقيب عن المياه في وادان جارية، وأن برنامجاً للحفر في المياه العميقة يمكن توجيهه إلى المدينة إذا أكدت الدراسة وجود مؤشرات إيجابية.
لكن الأهم في محطة وادان كان انتقال الخطاب من مجرد المطالبة بالخدمات إلى سؤال أوسع: كيف تبقى المدن التاريخية حية؟
ومن هنا جاءت دعوة الرئيس للقطاع الخاص للاستثمار في السياحة والأنشطة الاقتصادية بالمدن الداخلية، باعتبار أن الطريق والماء والكهرباء ينبغي ألا تكون غاية في حد ذاتها، وإنما قاعدة لبناء اقتصاد محلي يوفر فرص العمل ويثبت السكان.
وقد عكس حديث سكان وادان وممثليهم شعوراً واضحاً بأن المدينة قطعت أشواطاً في مجال البنية التحتية والخدمات، مع بقاء الطريق والمياه في مقدمة الملفات التي تنتظر الحسم.
شنقيط.. حين يتحول الإنجاز إلى ذاكرة جماعية
كانت شنقيط المحطة الثالثة، وربما الأكثر التصاقاً بالذاكرة الوطنية والثقافية.
استقبلت المدينة رئيس الجمهورية بحشود كبيرة اصطف أفرادها على جانبي الطريق، في مشهد حمل الكثير من الدلالات، خصوصاً أن السكان كانوا يرون في الزيارة مناسبة للتعبير عن امتنانهم لما تحقق خلال السنوات الماضية.
وكان طريق أطار–شنقيط حاضراً بقوة في حديث السكان وممثليهم؛ ذلك الطريق الذي ظل لسنوات مطلباً أساسياً، قبل أن يتحول إلى واقع، بما يحمله من آثار اقتصادية واجتماعية على المدينة.
ولم يكن الطريق وحده في سجل المطالب والمكاسب؛ فقد تحدث ممثلو المدينة عن المياه والكهرباء والتدخلات الاجتماعية، ومشاريع سوق «تآزر»، وترميم المنازل القديمة والمكتبات والمتاحف، ودعم السياحة والتراث.
أما الرئيس، فاختار أن يوسع النقاش من مشروع هنا أو خدمة هناك إلى قضية أعمق: مستقبل المدن التاريخية.
وأكد أن مهرجان مدائن التراث، على أهميته، لا يكفي وحده لحماية المدن التاريخية، وأن المطلوب مقاربة أوسع تشمل المخطوطات والمكتبات والآثار، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في الحفظ والرقمنة، وربط حماية التراث بالتنمية حتى تبقى هذه المدن فضاءات حية لا مجرد متاحف مفتوحة.
وفي شنقيط ظهر نوع آخر من الانفتاح؛ فالمداخلات لم تكن كلها خدمية، بل امتدت إلى التعليم، والشباب، والسياحة، والأمن، والقضايا الوطنية، وحتى قضايا سياسية عبّر عنها أصحابها بوضوح، بينما استمع الرئيس ورد على عدد من الملفات المطروحة.
وهنا تحديداً يمكن القول إن شنقيط لم تستقبل الرئيس فقط، بل فتحت أمامه دفتر ذاكرتها ومطالب حاضرها وأسئلة مستقبلها.
أوجفت.. الواحات تطلب طريقها إلى المستقبل
أما المحطة الرابعة والأخيرة فكانت أوجفت، حيث التقت الزيارة بأحد أكثر الملفات التصاقاً بالاقتصاد المحلي للولاية: الواحات والزراعة والمياه وفك العزلة.
استقبلت أوجفت الرئيس بحفاوة شعبية، وكان واضحاً من خلال مداخلات سكانها وممثليها أن المقاطعة لا تريد أن تُعرّف فقط بما ينقصها، وإنما بما تملكه من إمكانات زراعية وسياحية وثقافية يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية.
ومن أبرز الملفات التي برزت في لقاء الرئيس مع أطر ووجهاء المقاطعة اعتماد أوجفت مدينة تاريخية، بما يمكن أن يفتحه ذلك من آفاق أمام حماية التراث وتنشيط السياحة والاستثمار.
لكن الملف الأبرز كان ملف الواحات.
فقد أعلن الرئيس أن الحكومة تتجه إلى إنشاء وكالة وطنية لتطوير شعبة الواحات وإعادة هيكلة شركة تمور موريتانيا، بالتوازي مع العمل على فك العزلة عن مناطق الإنتاج وربط الواحات بشبكة الطرق.
كما وجه بإعداد دراسة عاجلة لتحديد المناطق والواحات الأكثر حاجة إلى فك العزلة، ودعا إلى تعبئة الموارد لإنشاء سد كبير أو مجموعة سدود لدعم مياه الشرب والزراعة وري الواحات.
وفي أوجفت بدا صوت المواطن أكثر التصاقاً بالأرض: طريق يصل إلى مناطق الإنتاج، ماء يحفظ الواحة، وسوق يستوعب المحصول، ومؤسسات قادرة على تحويل التمور والخضروات من إنتاج محلي محدود إلى نشاط اقتصادي مستدام.
ولذلك فإن خصوصية محطة أوجفت أنها لم تكن مجرد محطة ختامية للزيارة، بل بدت وكأنها تضع أمام الدولة سؤالاً عملياً: كيف نحول ثروة الواحات من مورد تقليدي إلى اقتصاد محلي حديث؟
أربعة استقبالـات.. وأربع صور لآدرار
إذا كان الاستقبال في أطار قد تميز بالحشود واتساع المشاركة الشعبية، فإن وادان أضافت إلى استقبالها بعداً تراثياً لافتاً، بينما استقبلت شنقيط الرئيس بروح المدينة التاريخية التي ترى في التنمية وسيلة لحماية ذاكرتها واستمرار حياتها، وجاء استقبال أوجفت محملاً بروح الواحة والزراعة والتطلع إلى فك العزلة وخلق فرص اقتصادية جديدة.
ورغم اختلاف الصور، فإن الرسالة بدت واحدة:
آدرار تريد التنمية، لكنها تريدها من داخل خصوصيتها؛ تريد الماء والطريق والكهرباء، لكنها تريد أيضاً السياحة والزراعة وحماية التراث وتشغيل الشباب.
ماذا قالت آدرار؟
من خلال المداخلات التي رافقت المحطات الأربع، يمكن التقاط نماذج متعددة من آراء السكان وممثليهم.
في أطار، كان الحديث عن تحسين الخدمات الأساسية، والماء والكهرباء والطرق، إلى جانب فرص العمل وتحريك الاقتصاد المحلي.
وفي وادان، ارتفع صوت الطريق والماء، مع التأكيد على ضرورة خلق نشاط اقتصادي يجعل بقاء السكان في مدينتهم خياراً ممكناً ومستداماً.
أما شنقيط، فبرز فيها الشعور بالامتنان لما تحقق، وخاصة طريق أطار–شنقيط، مع المطالبة بمواصلة حماية المدينة وتراثها وخلق فرص جديدة للشباب.
وفي أوجفت، كان الهم الزراعي والواحاتي أكثر حضوراً: المياه، الطرق، التسويق، تثبيت السكان، وحماية الثروة الزراعية من التراجع.
وهذه الأصوات، على اختلافها، تعكس شيئاً مهماً: أن المواطن الآدراري لم يعد يريد فقط أن يسمع ماذا ستفعل الدولة، وإنما يريد أن يكون جزءاً من تحديد ما ينبغي أن تفعله الدولة.
الأستاذ محمدمحمود عبدالرحمن
