مركز تلماس للإعلام والتنمية: الرقابة الحقيقية لا تكتمل إلا بمتابعة تنفيذ التوصيات

ينظر مركز تلماس للإعلام والتنمية إلى التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة باعتباره خطوة مهمة في مسار تعزيز الحكامة والشفافية وحماية المال العام، خصوصاً في ظل التوجه نحو جعل أعمال أجهزة الرقابة أكثر انتظاماً وارتباطاً بآليات المتابعة والمساءلة.
ويثمّن المركز بشكل خاص مبدأ نشر نتائج أعمال المفتشية للرأي العام، باعتباره تطوراً مؤسسياً يعزز حق المواطن في معرفة كيفية تسيير الموارد العمومية، كما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أولاً: نقاط القوة
1. تكريس مبدأ الشفافية
إتاحة نتائج أعمال جهاز الرقابة للرأي العام تمثل مكسباً مهماً، لأنها تجعل الرقابة العمومية أكثر انفتاحاً على المجتمع، وتتيح للصحافة والباحثين والمجتمع المدني قراءة واقع التسيير العمومي بعيداً عن التكهنات.
2. الانتقال من التفتيش إلى متابعة تنفيذ التوصيات
من أهم الجوانب الإيجابية اعتماد آلية لمتابعة تنفيذ التوصيات، لأن قيمة أي تقرير رقابي لا تكمن فقط في اكتشاف الاختلالات، وإنما في معرفة ما إذا كانت تلك الاختلالات قد عولجت فعلاً.
وقد أعلنت المفتشية عن إعداد منصة رقمية لتتبع تنفيذ التوصيات، وهو توجه يمكن أن يمثل نقلة نوعية إذا تم تطويره بشكل فعال وإتاحته للرأي العام بالقدر الذي يسمح به القانون.
3. تعزيز حماية المال العام
أظهرت المعطيات الرسمية أن أعمال التفتيش خلال 2025 غطت نحو 43 مليار أوقية قديمة من النفقات، مع رصد اختلالات تسييرية بحوالي 900 مليون أوقية قديمة، واسترجاع نحو 700 مليون منها، أي حوالي 78%
وهذه الأرقام تؤكد أن الرقابة يمكن أن تتحول إلى أداة عملية لحماية الموارد العمومية، وليس مجرد إجراء إداري بعد انتهاء الإنفاق.
4. احترام قرينة البراءة والحقوق
من نقاط القوة كذلك تأكيد المفتشية على ضرورة تحقيق التوازن بين الشفافية وحماية المعطيات الشخصية وسمعة الأشخاص وقرينة البراءة. وهذا أمر ضروري حتى لا تتحول التقارير الرقابية إلى أحكام مسبقة قبل استكمال المساطر القانونية.
ثانياً: نقاط تحتاج إلى مزيد من التطوير
1. الأهم هو ماذا بعد التقرير؟
يرى مركز تلماس أن نجاح التقرير لا ينبغي أن يقاس بعدد الملاحظات أو حجم الأموال التي تم رصد اختلالات بشأنها، وإنما بنسبة التوصيات التي تحولت إلى إجراءات وتصحيحات فعلية.
ولهذا فإن نشر تقرير دوري يوضح: ما الذي تم تصحيحه؟ وما الذي لم يتم تصحيحه؟ ولماذا؟ ومن المسؤول عن التأخير؟ سيكون أكثر أهمية من مجرد نشر نتائج التفتيش.
2. الحاجة إلى مؤشرات أكثر وضوحاً
من المفيد أن تتضمن التقارير المقبلة مؤشرات موحدة تسمح بالمقارنة بين السنوات والقطاعات، مثل حجم الأموال التي خضعت للرقابة، قيمة الاختلالات، الأموال المسترجعة، عدد التوصيات، نسبة تنفيذها، والمدة التي استغرقها التصحيح.
3. تعزيز وضوح المسؤوليات
ليس كل خلل تسييري فساداً، وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة في الخطاب الرقابي والإعلامي. فالتقرير المهني يجب أن يميز بدقة بين الخطأ الإداري، وسوء التسيير، والإهمال، والمخالفة المالية، وشبهة الفساد، مع ترك مهمة الإدانة للقضاء المختص.
4. ضرورة تعزيز استقلالية وفعالية الرقابة
تظل قوة أي جهاز رقابي مرتبطة بكفاءة مفتشيه، ووضوح معايير اختيارهم، واستقلالية عملهم، وقدرتهم على الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى وجود إرادة مؤسسية حقيقية لتنفيذ توصياتهم.
وقد أشارت تقارير متخصصة إلى تحديات سابقة مرتبطة بوضوح نتائج أعمال المفتشية وآليات اختيار المكلفين بالتفتيش، وهو ما يجعل تطوير الكفاءة والشفافية المهنية تحدياً مهماً أمام المرحلة المقبلة
ثالثاً: موقف مركز تلماس
لا ينبغي النظر إلى تقرير المفتشية العامة للدولة باعتباره وثيقة لإدانة الحكومة أو تبرئتها، وإنما باعتباره أداة لتصحيح الاختلالات وتحسين أداء الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن مركز تلماس للإعلام والتنمية يشجع على توسيع دائرة نشر التقارير الرقابية، وتبسيط مضامينها للمواطن، وتعزيز المتابعة الرقمية لتنفيذ التوصيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق القانون.
كما يرى المركز أن المعركة ضد الفساد لا تختزل في اكتشاف الاختلالات بعد وقوعها، بل تبدأ أساساً بمنعها، عبر تحسين أنظمة الرقابة الداخلية، ورقمنة الإجراءات، وتبسيط المساطر، وتعزيز الشفافية في الصفقات والإنفاق العمومي.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على اكتشاف الخطأ، وإنما بقدرتها على منعه، وتصحيحه، وضمان عدم تكراره.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأي تقرير صادر عن المفتشية العامة للدولة: أن يتحول من وثيقة رقابية إلى أداة للإصلاح وتحسين الحكامة وحماية المال العام.
