تلماس : المخدرات في موريتانيا.. هل نحن أمام موجة تفشٍّ أم أن الأجهزة الأمنية باتت أكثر يقظة؟

نطالع منذ أيام، وبشكل شبه يومي، أخباراً عن توقيف مروّجي المخدرات والمؤثرات العقلية في مناطق متفرقة من موريتانيا، وعن ضبط كميات لافتة من الحبوب المخدرة والحشيش ومواد أخرى شديدة الخطورة.
تكرار هذه الأخبار خلال فترة قصيرة يفرض سؤالاً يتجاوز تفاصيل كل عملية أمنية على حدة: هل نحن أمام موجة متنامية من انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية في المجتمع الموريتاني، أم أن ما نراه مجرد نتيجة لارتفاع مستوى اليقظة الأمنية ونجاح الأجهزة المختصة في كشف شبكات كانت تنشط بعيداً عن الأنظار؟
المؤكد أن المعطيات الأخيرة تستحق التوقف، لأنها لم تعد مرتبطة بمدينة واحدة أو منطقة محددة.
ففي أكجوجت، أعلنت الأجهزة الأمنية هذا الأسبوع تفكيك شبكة تنشط في بيع وتوزيع المخدرات والمؤثرات العقلية، وضبط 1246 قرصاً من الإكستازي، إلى جانب كمية من صمغ القنب الهندي.
ولم تمضِ أيام حتى كشفت عملية أخرى في أكجوجت عن حجم أكثر إثارة للقلق، بعد ضبط 77.055 كيلوغراماً من صمغ الكانابيس المصنّع المعروف محلياً بـ”الحجر الأسود” وتوقيف عشرة أشخاص يشتبه في ارتباطهم بشبكة للتهريب. والأخطر أن الشبكة، وفق المعطيات المعلنة، استخدمت سيارة تحمل شعارات جمعية خيرية كغطاء لنقل المخدرات وتفادي إثارة الشبهات.
وفي مدينة أطار، كانت الأجهزة الأمنية قد أعلنت قبل ذلك تفكيك شبكتين تنشطان في بيع وتوزيع المخدرات والمؤثرات العقلية، مع توقيف 13 شخصاً وضبط كميات من الحشيش والمواد المخدرة.
ولا تتوقف الصورة عند هذه العمليات؛ فقد أشارت معطيات منشورة هذا الشهر إلى أن وحدات الدرك تمكنت، منذ بداية يوليو، من تفكيك أكثر من 15 شبكة تنشط في الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، مع توقيف ما لا يقل عن 40 شخصاً وضبط أكثر من 20 كيلوغراماً من المخدرات، إضافة إلى أكثر من 10 آلاف قرص من المؤثرات العقلية وحبوب الهلوسة.
هذه الأرقام لا تسمح وحدها بالقول إن المجتمع الموريتاني دخل مرحلة “تفشٍّ شامل”، فارتفاع عدد العمليات الأمنية قد يعني ببساطة أن الأجهزة الأمنية أصبحت أكثر قدرة على الرصد والملاحقة والتنسيق. لكن في المقابل، لا يمكن التعامل مع هذا التتابع من الضبطيات باعتباره مجرد حوادث معزولة.
واللافت أيضاً هو تنوع المواد وانتقال النشاط من مجرد تهريب المخدرات التقليدية إلى تداول الحبوب والمؤثرات العقلية، وهي مواد يمكن أن تجد طريقها بسهولة أكبر إلى فئة الشباب، خصوصاً إذا دخلت إلى محيط المدارس والأحياء والأسواق ومواقع التجمعات الشبابية.
وتبدو السلطات نفسها واعية بخطورة المسألة؛ فقد نظمت وزارة تمكين الشباب، بالتعاون مع الدرك الوطني، هذا الأسبوع في أكجوجت دورة تكوينية لفائدة 100 شاب تحت شعار “شباب بلا مخدرات”، في إطار مقاربة تجمع بين المواجهة الأمنية والتحسيس والوقاية. وأكد ممثل الدرك أن الخطة الوطنية لمكافحة المخدرات تقوم على العمل الأمني والتوعية والتكوين والتنسيق بين مختلف الجهات.
كما أن الحكومة كانت قد ناقشت في يناير الماضي مشروع قانون جديد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، في ظل تأكيد رسمي على وجود مؤشرات مقلقة مرتبطة بالاتجار والاستهلاك وتنوع المواد واستهداف الشباب.
إذن، قد يكون الجواب الأدق أن موريتانيا تواجه الأمرين معاً: نشاطاً حقيقياً لشبكات تحاول توسيع سوق المخدرات، وفي الوقت نفسه ارتفاعاً في كفاءة الأجهزة الأمنية في كشف هذه الشبكات وإفشال عملياتها.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى هذه العمليات الأمنية ليس فقط باعتبارها أخباراً عن اعتقالات ومحجوزات، وإنما باعتبارها جرس إنذار اجتماعي.
فالمعركة لا يمكن أن تربحها الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها. فالشرطة والدرك يستطيعان ضبط المهربين والمروجين، لكن مواجهة الطلب على المخدرات تحتاج إلى المدرسة والأسرة والمسجد والإعلام والمجتمع المدني، وإلى توفير فضاءات وفرص حقيقية للشباب تحميهم من الفراغ والاستقطاب والانحراف.
وفي المقابل، فإن تكرار الضبطيات الكبيرة ينبغي أن يدفع إلى سؤال أعمق: من أين تأتي هذه المواد؟ وكيف تصل إلى المدن الداخلية؟ ومن هم المستهدفون بها؟ ومن يقف خلف شبكات التمويل والتوزيع؟
إذا كانت الأجهزة الأمنية تضبط اليوم عشرات المروجين، فالمطلوب ألا نكتفي بالاحتفاء بالضبطيات، بل أن نصل إلى الرؤوس التي تقف خلف شبكات التهريب والتوزيع، وأن نغلق المنافذ التي تجعل المخدرات قادرة على الوصول إلى شبابنا.
فالخبر الجيد أن الأجهزة الأمنية تبدو حاضرة وبقوة.
أما الخبر الذي يجب ألا نغفل عنه، فهو أن كثرة ما يتم ضبطه قد تكون أيضاً مؤشراً على حجم ما تحاول شبكات المخدرات إدخاله إلى مجتمعنا.
ولهذا، فإن ما يحدث هذه الأيام ليس مجرد “سحابة عابرة” ينبغي انتظار زوالها، ولا دليلاً قاطعاً وحده على تفشي وباء المخدرات؛ بل هو إنذار مبكر يستوجب اليقظة، وتشديد المواجهة، وقراءة الظاهرة اجتماعياً وأمنياً قبل أن تتحول من مشكلة يمكن احتواؤها إلى أزمة يصعب علاجها.