مقالات

تلماس : الأمانات الدائمة في حزب الإنصاف.. هل تتحول الهيكلة الجديدة إلى قوة اقتراح؟

لم تعد الأحزاب السياسية الحديثة تُقاس فقط بعدد مناضليها، ولا بحجم حضورها في المناسبات، ولا بعدد البيانات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار، وفهم المجتمع، وقراءة التحولات، وصياغة حلول واقعية للقضايا المطروحة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب الأمانات الدائمة في حزب الإنصاف أهمية خاصة، باعتبارها إحدى أبرز أدوات إعادة تنظيم العمل الحزبي، ونقله من النشاط المناسباتي إلى عمل مؤسسي أكثر استمرارية وتخصصاً.

فالسؤال اليوم ليس: لماذا أنشأ الحزب هذه الأمانات؟
بل السؤال الأهم: ماذا ستفعل هذه الأمانات؟ وماذا سيضيف وجودها إلى الحياة السياسية والحزبية؟

من توزيع المناصب إلى توزيع الاختصاصات

الفكرة الأساسية وراء الأمانات المتخصصة يفترض أن تتجاوز مجرد توزيع المسؤوليات.

فحين توجد أمانة تعنى بالاقتصاد، وأخرى بالتعليم، وأخرى بالصحة، والطاقة، والزراعة، والتشغيل، والبنية التحتية، والبيئة، والاتصال، والتنظيم وغيرها، فإن ذلك يعني أن الحزب يمتلك، من حيث المبدأ، فرصة لبناء منظومة داخلية قادرة على متابعة مختلف الملفات الوطنية.

وهذا التحول مهم؛ لأن القضايا التي تواجه موريتانيا اليوم أصبحت أكثر تعقيداً من أن تعالج بخطاب سياسي عام.

ملفات البطالة، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والزراعة، والتعدين، والرقمنة، والحماية الاجتماعية، والتنمية المحلية، وغيرها، تحتاج إلى متخصصين قادرين على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم مقترحات عملية.

ومن هنا يمكن للأمانات الدائمة أن تصبح بمثابة عقل تخصصي للحزب.

قوة الاقتراح.. الاختبار الحقيقي

لكن امتلاك هيكلة متخصصة لا يعني بالضرورة امتلاك قوة اقتراح.

فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الأمانات من الاجتماعات إلى الإنتاج.

الأمانة الناجحة ليست التي تعقد اجتماعات أكثر، وإنما التي تستطيع أن تقدم دراسة، أو ورقة سياسات، أو تقريراً ميدانياً، أو تصوراً لحل مشكلة، أو رؤية استباقية لملف وطني.

وإذا تمكنت الأمانات الدائمة من القيام بهذا الدور، فإن الحزب سيجد نفسه أمام تجربة مختلفة في العمل السياسي الموريتاني، تقوم على المعرفة والخبرة والتخصص، وليس فقط على التعبئة والتنظيم.

الحزب والمواطن.. استعادة المسافة التي اتسعت

من أكبر التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية في مختلف البلدان اتساع المسافة بينها وبين المواطن، خصوصاً عندما يتحول العمل الحزبي إلى نشاط داخلي لا يعكس بصورة كافية الانشغالات اليومية للناس.

وهنا يمكن للأمانات الدائمة أن تلعب دوراً حاسماً.

فالأمانة المتخصصة في قطاع معين يمكنها أن تنزل إلى الميدان، وتلتقي بالمهنيين، والمنتخبين، والفاعلين المحليين، وأصحاب المشاريع، والشباب والنساء، وتستمع إلى المشاكل الحقيقية التي تواجههم.

ثم تعود إلى الحزب ليس فقط بشكاوى وانطباعات، وإنما بملفات مدروسة ومقترحات قابلة للنقاش.

وبذلك يصبح الحزب حلقة وصل حقيقية بين المواطن وصانع القرار.

من مواكبة الحكومة إلى مراقبة الأداء

وجود أمانات متخصصة يتيح للحزب أيضاً القيام بدور أكثر تنظيماً في متابعة السياسات العامة.

فالحديث عن دعم البرنامج الحكومي أو مواكبته ينبغي ألا يقتصر على الإشادة بما تحقق، وإنما يجب أن يشمل أيضاً قراءة النتائج، ورصد الصعوبات، وتحديد مكامن الخلل، واقتراح البدائل.

فالمساندة السياسية لا تعني غياب النقد البنّاء.

بل إن الحزب القوي هو الذي يستطيع أن يدعم التوجهات الكبرى، وفي الوقت نفسه يلفت الانتباه إلى مكامن القصور، لأن الهدف النهائي يفترض أن يكون تحسين الأداء وخدمة المواطن.

ومن هنا يمكن للأمانات الدائمة أن تتحول إلى أدوات لتقييم السياسات والبرامج، لا إلى مجرد أجهزة للتعبئة.

الأمانات والانتخابات.. أبعد من الحملات

لا شك أن الجانب الانتخابي سيظل حاضراً بقوة في عمل أي حزب سياسي.

لكن أهمية الأمانات الدائمة ينبغي ألا تختزل في التحضير للاستحقاقات الانتخابية.

فالانتخابات تأتي في موعد محدد، بينما العمل السياسي مستمر طوال الوقت.

والحزب الذي يبدأ في التواصل مع المواطنين قبل الانتخابات بأسابيع، قد ينجح في تنظيم حملة، لكنه لا يبني بالضرورة علاقة سياسية ومجتمعية مستدامة.

أما الحزب الذي يعمل طوال السنوات، ويتابع قضايا الناس، ويقدم حلولاً، ويستمع إلى قواعده، ويطور كوادره، فإنه يدخل الانتخابات وهو يمتلك رصيداً سياسياً حقيقياً.

وهنا تكمن إحدى أهم الوظائف التي يمكن أن تؤديها الأمانات الدائمة.

الاستثمار في الكفاءات

من النتائج المنتظرة كذلك أن تفتح هذه الهيكلة الباب أمام استثمار أكبر في الكفاءات.

فموريتانيا تزخر بكفاءات في مختلف المجالات، لكن التحدي يكمن في إيجاد الأطر التي تسمح لهذه الكفاءات بالمشاركة في صناعة الأفكار والبرامج.

ويمكن للأمانات الدائمة أن توفر هذا الإطار.

فالخبير الاقتصادي يمكن أن يساهم في إعداد تصور اقتصادي، والطبيب في تطوير رؤية حول الصحة، والأستاذ في ملف التعليم، والمهندس في قضايا البنية التحتية والطاقة، والباحث في إعداد الدراسات.

وهكذا يمكن للحزب أن يتحول إلى فضاء يجمع بين السياسة والخبرة.

التنسيق.. الحلقة التي لا ينبغي أن تضيع

لكن كثرة الأمانات قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا غاب التنسيق.

فملف التعليم مثلاً مرتبط بالتشغيل، والتشغيل مرتبط بالاقتصاد، والاقتصاد مرتبط بالطاقة والاستثمار، والتنمية مرتبطة بالبنية التحتية.

لذلك فإن العمل القطاعي لا ينبغي أن يعني العمل المنعزل.

والنجاح يتطلب وجود آليات تنسيق تجعل مخرجات الأمانات المختلفة تصب في رؤية واحدة، وتمنع تكرار الجهود أو تضارب المقترحات.

فالغاية ليست أن يصبح للحزب عشرات الملفات المنفصلة، وإنما أن يمتلك رؤية وطنية متكاملة.

ماذا ننتظر من الأمانات الدائمة؟

يمكن تلخيص الرهان في خمس كلمات:

فكرة، معرفة، ميدان، اقتراح، ونتيجة.

الفكرة: أن تنتج الأمانات أفكاراً جديدة.

المعرفة: أن تبني قاعدة معلومات حقيقية حول الملفات التي تتابعها.

الميدان: أن تبقى على اتصال مباشر بالمواطنين والفاعلين.

الاقتراح: أن تقدم حلولاً عملية للقيادة.

والنتيجة: أن يظهر أثر هذا العمل في أداء الحزب وفي خطابه وبرامجه وعلاقته بالمجتمع.

الخطر الأكبر: أن تتحول إلى واجهات تنظيمية

وفي المقابل، فإن أكبر خطر يواجه هذه التجربة هو أن تتحول الأمانات إلى مجرد عناوين تنظيمية أو مناصب إدارية.

فإذا كان حضور الأمين الدائم يقتصر على المناسبات، والاجتماعات، والصور، والبيانات، فإن الهيكلة لن تحقق أهدافها مهما كان عدد الأمانات أو مستوى الشخصيات التي تتولاها.

أما إذا أصبح لكل أمانة برنامج سنوي، وأهداف واضحة، ومؤشرات أداء، وتقارير دورية، ومخرجات معلنة داخل الحزب، فإن التجربة يمكن أن تكتسب قيمة حقيقية.

وهنا تبرز مسؤولية القيادة الحزبية في توفير الظروف المناسبة للعمل، ومسؤولية الأمناء في إثبات أن اختيارهم لم يكن مجرد تكليف تنظيمي، وإنما مسؤولية سياسية وفكرية وميدانية.

الرهان الحقيقي

الأمانات الدائمة في حزب الإنصاف يمكن أن تكون أكثر من مجرد عملية إعادة ترتيب للهيكل الداخلي.

إنها فرصة لبناء نموذج جديد للعمل الحزبي؛ نموذج يقوم على التخصص، والتكوين، والاستماع، والتحليل، وصناعة السياسات.

لكن الفرصة وحدها لا تكفي.

فالهيكلة لا تصنع المؤسسة، وإنما يصنعها الأداء.

ولهذا سيكون من المشروع أن ينتظر الرأي العام خلال المرحلة المقبلة إجابات واضحة عن أسئلة بسيطة، لكنها حاسمة:

ما الذي ستنتجه كل أمانة؟

ما الملفات التي ستعمل عليها؟

ما حجم تواصلها مع المواطنين؟

ما الدراسات والمقترحات التي ستقدمها؟

وكيف سيقاس نجاحها؟

إذا وجدت هذه الأسئلة إجابات عملية، فقد تتحول الأمانات الدائمة إلى إحدى أهم أدوات تطوير العمل السياسي داخل حزب الإنصاف.

أما إذا بقيت مجرد هياكل تحمل أسماء ومسؤوليات دون إنتاج ملموس، فإنها ستظل مجرد إعادة توزيع للمناصب، لا إعادة بناء حقيقية للعمل الحزبي.

وفي النهاية، فإن نجاح التجربة لن تحدده الأوراق التنظيمية، بل ما ستنتجه هذه الأمانات على أرض الواقع، وما سيشعر به المواطن من أثر عملها.

الأعلامي محمدمحمود عبدالرحمن

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى