من يمثل الصحافة في مؤتمرات رئيس الجمهورية؟ الأعلامي محمدمحمود محمدسالم

لا يقتصر الغبن والتهميش على قطاع دون آخر، بل يطال جوانب متعددة من الحياة العامة، ويبرز ذلك بوضوح كلما اقترب موعد مؤتمر صحفي لرئيس الجمهورية. ومع الإعلان عن المؤتمر المرتقب مساء الجمعة، يبرز سؤال مشروع: من سيجلس في قاعة المؤتمر؟ هل هم صحفيون مهنيون يمارسون العمل الإعلامي وفق معاييره، أم مدونون وصناع محتوى، أم أشخاص أُضفيت عليهم صفة الصحفي دون أن يمارسوا المهنة أو يلتزموا بأخلاقياتها؟
إن المتابع لمجريات المؤتمرات الصحفية خلال السنوات الماضية يدرك أننا لا نزال بحاجة إلى ترسيخ مفهوم الدولة التي تحترم الصحافة المهنية، باعتبارها الوسيلة الأهم لنقل هموم المواطنين، ومساءلة المسؤولين، وفي الوقت ذاته إبراز إنجازات الحكومة بموضوعية ومهنية.
الصحافة ليست لقبًا يُمنح، ولا مقعدًا يُحجز بالمجاملة أو العلاقات الشخصية، بل هي مسؤولية تستند إلى الممارسة والخبرة والالتزام بأخلاقيات المهنة. لذلك، فإن مساواة الصحفي المهني بمن يكتفي بمنشورات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي يسيء إلى المهنة قبل أن يسيء إلى أصحابها.
المؤسف أن معايير اختيار المشاركين في بعض المؤتمرات تبدو أحيانًا بعيدة عن المهنية، فيشعر كثير من الصحفيين بأنهم في الصفوف الأخيرة، ليس بسبب ضعف أدائهم، وإنما لأنهم لم يدخلوا دائرة الوساطات أو حملات التلميع، بينما تُفتح الأبواب أمام من يجيد التصفيق أكثر مما يجيد طرح الأسئلة.
واليوم، لم يعد من الصعب تقييم الأداء الإعلامي لأي شخص؛ فكل ما يقدمه منشور أمام الجميع، ويمكن لأي متابع أن يميز بين الصحفي الذي ينتج محتوى مهنيًا، وبين من يكتفي بإعادة النشر أو البحث عن الظهور.
كما أن إدخال أشخاص إلى مثل هذه الفعاليات على أساس الانتماء الجهوي أو الاعتبارات الاجتماعية، بعيدًا عن الكفاءة المهنية، لا يخدم صورة الدولة ولا يعكس احترامًا للمؤسسة الإعلامية. وهذا لا يعني حرمان أي جهة أو مكون اجتماعي من التمثيل، وإنما يعني أن يكون معيار الاختيار هو الجدارة والكفاءة، بغض النظر عن الانتماءات أو المواقف.
إن مؤتمرات رؤساء الدول لا يتابعها المواطنون فقط، بل تراقبها أيضًا وسائل الإعلام الدولية، ولذلك فإن طريقة تنظيمها وإدارة الحوار فيها تعكس صورة الدولة ومؤسساتها. ومن هنا، فإن اعتماد آلية واضحة لإدارة الأسئلة سيكون أكثر عدالة ومهنية؛ كأن يُسمح لجميع الحاضرين بتقديم طلبات طرح الأسئلة عبر رفع اليد، ثم يتولى مدير المؤتمر اختيار الأسئلة وفق معايير التوازن والتنوع، مع إعطاء الأولوية للأسئلة ذات المصلحة العامة، بعيدًا عن المجاملات أو الانتقائية، بما يضمن تكافؤ الفرص ويثري النقاش ويعزز مصداقية المؤتمر.
إن تطوير المؤتمرات الصحفية يبدأ باحترام الصحافة المهنية، واعتماد معايير شفافة لاختيار المشاركين، وإتاحة الفرصة لأصحاب الكفاءة لطرح الأسئلة التي تشغل الرأي العام. فكلما كانت الصحافة أكثر مهنية واستقلالًا، كانت صورة الدولة أكثر قوة، وكان الحوار بين السلطة والإعلام أكثر نضجًا، بما يخدم المواطن ويعزز الثقة في المؤسسات.
