مقابلات وتحقيقات

عشية عيد الاضحى …. أسعار الأضاحي فاقت المعتاد

 مع اقتراب موعد عيد الأضحى المبارك، يسود التذمر من أسعار الأضاحي أسواق المواشي في العاصمة نواكشوط، إثر فجوة غلاء تدفع المواطن إلى التحري في اختيار أضحية تُناسب دخله وقدرته الشرائية. ليبدأ بعدها مناورات ومفاوضات مع البائع، تنتهي في الغالب بمرافعة من التاجر حول الغلاء، وتقديم حجج تُعدّد أسباب ارتفاع الأسعار من وجهة نظره، ليكون الخيط الرابط بين الطرفين “التضرر”. فريق من وكالة الأخبار المستقلة تجول في أسواق المواشي، للوقوف على آراء مرتاديها، ورصد انطباعات الباعة والباحثين عن أضاحٍ تناسبهم أسعارها، قبيل العيد. وعبّر من تحدث معهم الفريق عن امتعاضهم من أسعار الأضاحي هذا العيد، ومن “المضاربات” التي قاربت الضعف، رغم تصدير الغنم لدولة مجاورة، وتوقيع اتفاقيات لتوفيرها، وتسلّم مناقصات لذلك. تذمّر وقال محمد البشير إنه أراد شراء أضحية من الضأن لا يتجاوز عمرها 7 أشهر من السوق بـ60 ألف أوقية قديمة، غير أن التجار رفضوا بيعها له، مؤكدين أن آخر سعر لها هو 75 ألفا. وشدد على أن غلاء المواشي بات “لا يُتصور”، موضحا أن الأضحية كانت تُشترى العام الماضي بمبلغ يتراوح بين 45 ألفا و55 ألف أوقية كحد أقصى، فيما وصلت أسعار بعضها اليوم إلى 120 و150 ألفا. وطالب ولد البشير الوزارة الوصية بمساعدة المواطنين والتدخل لدعم تجار المواشي، أو توقيع اتفاقية تتحمل الدولة بموجبها نسبة 50% من سعر الأضحية عن المواطن. ويرى بائع اللحوم متّار موسى أن غلاء أسعار الأضاحي يعود إلى تصديرها لدول الجوار، إذ بدأ ملاك المواشي والمستثمرون فيها رفع الأسعار، مطالبا الرئيس محمد ولد الغزواني والوزير الأول المختار ولد اجاي بوقف تصدير الغنم. وشدد ولد موسى على أن من لم يأتِ لشراء أضحيته بمبلغ يتراوح بين 120 ألفا و150 ألفا فكأنه “لم يُعَيِّد”، مردفا أن أضاحي 70 ألف أوقية ونحوها لا يمكن أن تجتمع عليها الأسرة يوم العيد، وفق تعبيره. تداعيات الغلاء ورأى ولد موسى أن من تداعيات الغلاء، ارتفاع تكاليف جلب الغنم إلى نواكشوط من أقاصي الشرق الموريتاني، قائلا إن الشاحنات كانت تُستأجر بـ200 ألف أوقية قديمة، فيما أصبحت اليوم تأتي من مدينة كيفه وسط البلاد بـ300 ألف. وأكد ولد موسى أن شاحنات تزويد السوق بالغنم من مدينة النعمة ومحيطها لم تعد تصل إلى نواكشوط إلا مقابل 700 ألف أوقية، بعد أن كانت تكلف ما بين 200 و400 ألف أوقية. ووصف بائع اللحوم الآخر احميد بوسحاب الشعب بالـ”ضعيف”، مضيفا أنه يعاني على مختلف المستويات، معتبرا أن انخفاض أسعار الغنم سينعكس إيجابا على بقية المواد الأساسية، لأن تأثيرها ـ على حد وصفه ـ كتأثير الماء والكهرباء في حياة الناس. وطالب ولد بوسحاب باتخاذ إجراءات تضمن تراجع الأسعار التي تثقل كاهل المواطن، مع تراكمات أخرى تستنزف أمواله وطاقته في هذه الظروف “السيئة” التي أكد أنها تسد الأفق أمام المواطن، وتمنعه بأن يطمح لعيش كريم مستقبلا. من جهته، نوه الحسين بيروك بكثرة الأضاحي في الأسواق، لكنه عبّر عن امتعاضه من “عدم منطقية أسعارها” و”ابتعادها عن متناول المواطن البسيط”. وذكر ولد بيروك أن البائع يبدأ مع الزبون بسعر 120 ألف أوقية، لتنتهي المفاوضات عند 100 ألف، أما شراء الأضحية بأقل من 80 ألفا فذلك ـ يشدد ـ ضرب من المستحيل. سؤال وقال ولد بيروك إن موريتانيا صدّرت “377 ألف رأس من الغنم إلى السنغال حسب آخر إحصائية”، مضيفا أنها تُباع اليوم في السنغال بمبالغ تتراوح بين 70 ألفا و80 ألف أوقية. وتساءل عن إمكانية بيعها في السنغال بسعر يقل عن 100 ألف أوقية، رغم أنها مُصدَّرة من موريتانيا مع احتساب كلفة النقل والضرائب والعمالة، لتصبح بذلك أغلى سعرا في البلد المصدر منها في بلد الاستيراد. وشدد ولد بيروك على أنه ينتظر إجابة عن هذا التساؤل الذي يشغل باله، معربا عن عدم قدرته على تصور ما يحدث، راجيا أن تتراجع الأسعار حتى يتمكن المواطن من أن يضحي. عقلية “جنونية” وقال رئيس “منظمة التحميد للمياه والزراعة” بابا احميدي إن الأعلاف تشهد ارتفاعا كبيرا في السعر، مع أن العام لم يكن عام جفاف، غير أن بعض مناطق الكلأ تعرضت للحرائق، مما كشف عن عقلية “جنونية” لدى بعض تجار الأعلاف الذين رفعوا الأسعار “بشكل لا يُتصور”. وأضاف ولد احميدي أن الحكومة مطالبة بمكافحة المضاربات، مردفا أن المترفين و”آكلي أموال الدولة” ورجال الأعمال قد يضحون، بينما تبقى الأكثرية دون أضاحٍ. وأشار إلى أن هذه الأكثرية تمثل المواطن البسيط، من عامل البناء، والحمّال، والراعي، والتاجر الصغير، وحتى المعلم والطبيب، مؤكدا أن أسعار الأضاحي أصبحت لا تُطاق. مطلب “استراتيجي” وطالب ولد احميدي بلفتة “استراتيجية” تُفضي إلى إنشاء مجال زراعي يوفر الأعلاف ويساعد على تنميتها بأقل التكاليف، مع تنظيم بيع المواشي داخل البلاد. وذكر ولد احميدي أن غياب تنظيم القطاع سيؤدي في نهاية المطاف إلى فوضى “تنعم بخيراتها بلدان أخرى بماشية البلد، كما تنعمت بسمكه”، وفق تعبيره. مفارقة وتزامنت شكاوى الباعة والمستهلكين، على حد سواء، مع تصريحات السفير السنغالي بموريتانيا الحاج مكط سي، الذي عبّر في الـ12 مايو الجاري عن تقديره “للدور الريادي الذي تقوم به موريتانيا بعد أن غطّت ما يزيد على 70% من احتياجات السوق السنغالية من الأضاحي خلال العام الماضي”. وجاءت تصريح السفير السنغالي خلال توقيع بلاده مع موريتانيا بروتوكول اتفاق لتأمين إمدادات السوق السنغالية من الأضاحي لعام 2026، ومأسسة التعاون الثنائي في قطاع الثروة الحيوانية. كما سلّم السفير الجزائري بنواكشوط أمين صيد، في الـ27 من فبراير الماضي، لرئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين محمد زين العابدين الشيخ أحمد، ملف مناقصة جزائرية لشراء مليون رأس من الأغنام الموريتانية. فيما تسلمت موريتانيا، يوم 30 سبتمبر 2025، عبر “ميناء الصداقة” هبة سعودية عبارة عن كميات من لحوم الهدي والأضاحي، لتُوجَّه ـ وفق المصادر الحكومية ـ لصالح الفئات الأكثر احتياجا في موريتانيا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى