أهم ما ورد في خطاب ولد الغزواني في داكار

حدد الرئيس محمد ولد الغزواني تحديات القارة الإفريقية في ثلاثة تحديات رئيسة، هي الاستقرار، والاندماج، والسيادة، منبها إلى أنها “تحديات باتت معروفة في أسبابها وتجلياتها وآثارها”، مردفا أن الإشكال الحقيقي اليوم يتعلق “أساسا بالبحث عن حلول عملية ومستدامة تتيح لنا تحقيق هدفنا الاستراتيجي المشترك: بناء إفريقيا مستقرة، مندمجة، وسيدة قراراتها وخياراتها”.
ووصف ولد الغزواني منتدى داكار بأنه أصبح “موعدا فكريا استراتيجيا رسّخ على مرّ دوراته، مكانته بوصفه فضاء متميزا للتفكير والحوار وتبادل الرؤى، وأسهم في ترسيخ قناعة جوهرية مفادها أن إفريقيا مطالبة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن توجد بنفسها، ومن داخل واقعها، الحلول الكفيلة بمواجهة تحدياتها، عبر البحث والابتكار والحوار البنّاء”.
وشدد ولد الغزواني على أن الاستقرار يحيل، في جوهره، إلى قدرة الدول على صون تماسكها الداخلي، والحفاظ على توازنها المؤسسي، وضمان السير المنتظم لمرافقها ومؤسساتها، رغم ما قد يعترضها من تحديات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، داخلية كانت أم خارجية.
ولفت ولد الغزواني خلال كلمته في المنتدى اليوم إلى أن “هذه القدرة ما تزال، في حالات عديدة، عرضة للهشاشة والاختلال”.
وأردف ولد الغزواني أن “التفاوتات الاجتماعية، والتوترات الداخلية، وضعف الحوكمة، والارتباك المؤسسي، والهشاشة الاقتصادية، وتداعيات التغير المناخي، فضلا عن تنامي نشاط الجماعات المسلحة غير النظامية، كلها عوامل تُلقي بثقلها على تماسك مجتمعاتنا، وتهدد، في بعض الحالات، استمرارية الدولة ذاتها”.

وأكد أن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، مهما بلغت ضرورتها، بل تقتضي اعتماد رؤية شاملة ومتكاملة، ترتكز على تحسين الحوكمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتهدئة الحياة السياسية عبر الحوار والتوافق، وتعزيز دولة القانون، وترسيخ أنظمة ديمقراطية تضمن التداول السلمي على السلطة، فضلا عن ضمان النفاذ العادل إلى شروط العيش الكريم، والاستثمار الجاد في الشباب من خلال التعليم والتكوين والتشغيل.
وشدد ولد الغزواني على أن الاستقرار، مهما تعزز على المستوى الوطني، يظل رهينا كذلك بقدرة الدول الإفريقية الجماعية على بناء آليات ناجعة للعمل المشترك، وتعزيز التنسيق، وتوحيد الجهود، وتقاسم الوسائل والخبرات.
ونوه ولد الغزواني بضرورة العمل على تطوير آليات التنسيق القاري، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، عبر تحديث أدواته القانونية، وتعزيز منظومة السلم والأمن التابعة له، والرفع من فعالية أجهزته، مثل نظام الإنذار المبكر والقوة الإفريقية الجاهزة.
وقال ولد الغزواني إن الاستقرار لا يمكن أن يكون دائما أو مكتملا من دون الركيزة الثانية، وهي الاندماج الإفريقي، ففي عالم تتسارع فيه التحولات، وتتعاظم فيه الترابطات الاقتصادية والجيوسياسية، لم يعد في مقدور أي دولة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تواجه تحديات العولمة وتفكك سلاسل القيمة والتحولات الدولية بمفردها، ومن ثم، فإن الاندماج بالنسبة لإفريقيا لم يعد خيارا ممكنا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لا غنى عنها.
ووصف ولد الغزواني منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بأنها تمثل خطوة مفصلية في مسار تعزيز التجارة البينية الإفريقية، وتيسير تنقل السلع والخدمات والأشخاص، بما يجعل منها رافعة حقيقية للتحول الاقتصادي في القارة.
وأكد أنه من الضروري الإقرار بأن ضعف المبادلات التجارية داخل إفريقيا لا يعود فقط إلى القيود الجمركية، بل يرتبط كذلك بعوامل بنيوية أعمق، من قبيل محدودية التصنيع، وضعف تنويع الاقتصادات، وهيمنة تصدير المواد الأولية الخام.
وقال ولد الغزواني إن الاندماج المنشود لا بد أن يقترن بسياسات فعالة في مجال التصنيع، والتحويل المحلي، وتنويع القاعدة الاقتصادية، وتشجيع الابتكار التكنولوجي، مردفا أنه يظل من الضروري تطوير البنى التحتية الاستراتيجية، في مجالات الطاقة، والنقل، والرقمنة، إلى جانب توثيق التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية، وتشجيع المبادرات البينية الناجحة.
ونوه ولد الغزواني بمنظمة استثمار نهر السنغال، ووصفها بأنها تمثل نموذجا رائدا للتعاون الإقليمي القائم على التضامن، والتدبير المشترك، والاستغلال المنصف للموارد العابرة للحدود.
كما نوه ولد الغزواني بقيادة الرئيس باصيرو ديوماي فاي، وبجهود حكومته برئاسة الوزير الأول عثمان سونكو، لما أبدوه من التزام وإسهام فعّال في ترسيخ هذا النموذج الناجح، الذي يستحق أن يُحتذى به على مستوى القارة بأسرها.
وقال ولد الغزواني إن التحدي الثالث وهو تحدي السيادة يتجلى في قلب الترابط الوثيق بين الاستقرار والاندماج، مضيفا أن السيادة في مفهومها التقليدي القائم على الاستقلال المطلق في القرار والتحرر الكامل من كل تأثير خارجي، لم يعد اليوم سوى تصور نظري محدود الصلاحية، ذلك أن واقع العالم المعاصر يفرض أشكالا متعددة من الاعتماد المتبادل، ويجعل السيادة مرتبطة بقدرة الدول على التحكم في مستويات تبعيتها، وتقليص مواطن هشاشتها، وتعزيز قدرتها على الصمود.
وأردف ولد الغزواني أن أبعاد السيادة تتعدد لتشمل السيادة الغذائية، والطاقوية، والمائية، والاقتصادية، والرقمية، والسيادة الصحية، وغيرها. وفي عالم تحكمه موازين القوى والنفوذ، منبها إلى أن السيادة لم تعد تُقاس فقط بالاستقلال القانوني، بل بمدى قدرة الدول على حماية مواردها الاستراتيجية، والدفاع عن مصالحها الحيوية، والتأثير الملموس في مسارات الحوكمة الدولية.
ودعا ولد الغزواني الدول الإفريقية إلى تعزيز الاندماج باعتباره يشكل ركيزة مركزية لتعزيز هذه السيادة، لأنه يحدّ من الارتهان للخارج، ويعزّز التكامل بين اقتصاداتنا، ويقوّي حضور إفريقيا وصوتها على الساحة الدولية، بما يمكنها من الدفاع بصورة أفضل عن مصالحها، والاضطلاع بدور أكثر تأثيرًا في الشؤون العالمية.
ونبه ولد الغزواني إلى أن الاستقرار والاندماج والسيادة ليست قضايا منفصلة، بل هي الأبعاد الثلاثة المتلازمة لمشروع إفريقي واحد، مشروع تاريخي قوامه بناء قارة قوية، متماسكة، وقادرة على رسم مصيرها بنفسها. ولن تتجسد طموحات أجندة إفريقيا 2063 إلا من خلال هذا التكامل: إفريقيا مستقرة في مؤسساتها، مندمجة في اقتصادها، وسيدة في قراراتها وخياراتها.
وعبر ولد الغزواني عن أمله في أن تسهم النقاشات داخل المنتدى في تعميق هذه الرؤى وإغنائها، مجددا شكره للرئيس السنغالي على دعوته، وتمنياته بالتوفيق والنجاح لأعمال الدورة العاشرة من منتدى دكار.
