خطاب “الاستغناء عن العشاء”: حين يتحول الإصلاح الى سخرية من المعاناة/ ابى آمين

أثار الخطاب الأخير لوالي ولاية لعصابة، والذي دعا فيه المواطنين ضمناً أو صراحةً إلى “تقليص الوجبات” أو الاستغناء عن وجبة العشاء، موجة من التساؤلات المشروعة حول طبيعة الدور الذي تلعبه السلطة الإدارية في وقت الأزمات. فبدلاً من تقديم حلول اقتصادية ملموسة، بدا الخطاب وكأنه محاولة لـ “إصلاح معدة” المواطن بدلاً من إصلاح وضعه المعيشي.
1. الهروب من المسؤولية الاقتصادية
إن أولى سلبيات هذا الخطاب هي محاولة تبرير العجز الحكومي عن ضبط الأسعار أو توفير الأمن الغذائي من خلال إلقاء اللوم على “نمط استهلاك” المواطن. عندما تطالب الإدارة الشعب بالتقشف في أساسيات الحياة (كوجبة العشاء)، فهي بذلك تعلن صراحةً فشلها في اجتراح حلول اقتصادية حقيقية، وتضع عبء الأزمة كاملاً على كاهل الفئات الأكثر هشاشة.
2. الانفصال عن الواقع السوسيو-اقتصادي
يعكس هذا النوع من التصريحات فجوة عميقة بين المسؤول والواقع؛ ففي ولاية مثل لعصابة، حيث تعاني الكثير من الأسر من ضعف الدخل، لا يعتبر العشاء “رفاهية” يمكن التخلي عنها، بل هو ضرورة بيولوجية للبقاء. إن مخاطبة الجياع بلغة “الريجيم الإجباري” تنم عن عدم تقدير لحجم المعاناة اليومية في سبيل توفير لقمة العيش.
3. ضرب الثقة بين المواطن والدولة
مثل هذه التصريحات تآكل جدار الثقة المهتز أصلاً. فالمواطن ينتظر من الوالي، بصفته ممثلاً لرئيس الجمهورية وللحكومة، أن يبشر بافتتاح مشاريع، أو توزيع مساعدات، أو تشديد الرقابة على الأسواق، لا أن يقدم “نصائح غذائية” تفتقر للحساسية الاجتماعية. هذا الخطاب يحول العلاقة من “رعاية ومسؤولية” إلى “وعظ واستعلاء”.
4. التداعيات الصحية والاجتماعية
بعيداً عن الجانب السياسي، فإن الدعوة لتقليص الوجبات في مجتمع يعاني أصلاً من معدلات سوء تغذية في بعض مناطقه، تعتبر دعوة خطيرة. فالأطفال وكبار السن والعمال اليدويين يحتاجون لطاقة لا توفرها “سياسة البطون الخاوية”.
خلاصة القول: إن مهمة المسؤول هي البحث عن “رغيف الخبز” للمواطن، لا البحث عن “أعذار” لغيابه. خطاب والي لعصابة لم يكن زلة لسان فحسب، بل كان انعكاساً لعقلية إدارية تحتاج إلى مراجعة شاملة لتدرك أن كرامة المواطن تبدأ من قدرته على تأمين قوت يومه بكرامة، دون أن يُطلب منه تجويع نفسه لتغطية عجز السياسات.