مقالات

مجانية القضاء في القانون الموريتاني: المبدأ و الاستثناءات؟! المصطفى سيد عالي :باحث في العلاقات الدولية الدبلوماسية

يتمثل تجسيد مبدأ مجانية القضاء في مجال القانون بعدم تقاضي القاضي أجرا من المتاقضين، حيث أن الدولة هي من تتكفل بتلك التكاليف المتعلقة بالخدمات القضائية بما في ذلك القاضي و كل موظفي المحاكم بما فيهم كتاب الضبط و الكتاب العدليين.
و على ذلك الأساس فنحن نحتاج لمعرفة معيار مبدأ المجانية المقصود عند المشرع ، حيث أننا نجد بعض التكاليف المتعلقة بالقضاء و التي يدفعها المتقاضي أحيانا ، مما يجعل التساؤل عن جوهر المبدأ مطلوبا.
إذا نظرنا إلى النص القانوني نجده ينص على مجانية القضاء و الجوهر الذي تتضح من خلاله تلك المجانية هي عدم دفع المتاقضين لأجور القضاة كما ذكرنا.
مما يتضح ان مبدأ المجانية يقتصر على تولي الدولة جزئا كبيرا من المصاريف القضائية يتعلق بدفع أجور موظفي المحاكم مما يجنب المتقاضي العبئ الأكبر رلم يبقى الا بعض المصاريف المتعلقة بسير الدعوى.
غير ان التجسيد الأكبر لهذا المبدأ من الناحية القانونية يتعلق بالقانون رقم 030-2015 و يتجسد ذلك في تكفل الدولة بأعباء المسطرة القضائية بشكل تام و التي قد تثقل كاهل المتقاضي ويشمل ذلك كل مراحل التقاضي و يكون ذلك في الحالات التي نص عليها القانون المذكور في شروط سنذكرها لاحقا.
غير أننا إذا نظرنا إلى هذا القانون سنجد أنه جسد مبدئا كان موجودا في التشريع المقارن و الذي هو مخصص للفئات الهشة غرض تسهيل ولوجها إلى القضاء كحق طبيعي من حقوق الإنسان ذي صبغة دولية.
غير أن هذه الإستفادة تتطلب :
-التقدم بطلب إلى مكتب المساعدة القضائية المنشأ بموجب القانون المذكور و المفترض أن يكون يوجد عند دائرة كل محكمة ولاية.
-إثبات العسر من قبل صاحب الطلب و الذي يعني عدم القدرة المالية.
و يستثنى من هذه الشروط الفئات التالية و الذين يحصلون على المساعدة القضائية بقوة القانون :
-الأجراء في مجال الشغل؛
-ضحايا جرائم الاستعباد.
هذا إضافة إلى أن الدولة تتكفل بالمصاريف القضائية الأخرى المتعلقة بالعلاوات و التعويضات المختلفة الخاصة بموظفي القضاء.
ففي ما يتعلق بالقضاة تتحمل التكاليف الخارجة عن الأجر الأساسي و المتمثلة في علاوات :
الوظيفة ، تحمل المسؤوليات ، النقل الحضري ، مصاريف الماء و الكهرباء، علاوة عدم السكن و يحدد مبلغ هذه العلاوات حسب رتبة القاضي.
كما يستفيد من العلاوات العينية المتمثلة في :
سيارة الوظيفة، خدمة عامل منزل أو أكثر و يتلقى القضاة هذه العلاوات بشكل شهري ويحدد مبلغها حسب الفئة التي ينتمي إليها القاضي.
و يتقاضون عن علاوة انعقاد الدورة ما بين مبلغي 2000 أوقية و 1000 أوقية موزعة حسب أعضاء المحكمة طيلة فترة الدورة.
-في مجال الجنايات و والجنح والمخالفات في ما يتعلق بمصاريف بتلك العقود و الإجراءات التي يأمر بها تلقائيا بطلب من النيابة العامة فإنه يتم دفعها مقدما من طرف مصلحة التسجيل.
أما مايتعلق بمصاريف المشتبه فيهم و المتهمين فتسخر السلطات القضائية لهم وسائل للنقل، لم ينص المشرع على وسيلة معينة بما فيها السيارة أو القطار و إنما نص على تلك الأكثر اقتصادا.
بينما ينقل الأشخاص الواجب تقديمهم أمام محاكم الاستئناف أو محاكم أخرى عبر سيارات مصالح السجون بإستثناء الحالات المستعجلة.
غير و أنه لحاجة في نفس المشرع تجنبا لما من شأنه أن يجعل من الدعوى فوضى و مساغا سهلا لكل من هب و دب نظرا لهيبة القضاء المتعلق بحياة الناس تجنبا أيضا للدعاوى الكيدية و التقاضي بسوء نية ،فلم يجعل المشرع المجال مفتوحا لحد كبير و إنما ضبطه بمجموعة من الاستثناءات.
و من تلك الاستثناءات المتعلقة بتطبيق مبدإ مجانية القضاء ما ينص عليه قانون المصاريف القضائية في ما يتعلق بحقوق الطوابع و التسجيل و هو ما يبرره بمقتضيات القوانين الضريبية و تنقسم هذه المصاريف إلى شقين جنائي و مدني.
-في مجال الجنايات و والجنح و المخالفات :
مصاريف عامة : وتشمل القبض : الاتصالات ، و الاتصالات و التنفيذ المختلفة التي يتم احتسابها بعد صدور القرارات النهائية التي تتضمن الإدانة و هي محددة و مفصلة حسب قانون تحديد تعريفة المصاريف القضائية في المادة 89.
أما في ما يتعلق بمصاريف الطباعة فهي محددة في المادة 92 و 93 من نفس القانون.
و مصاريف أخرى تتعلق بأشخاص بصفاتهم بعض منها يتعلق المتهمين و المشتبه فيهم و المحكوم عليهم و تشمل مصاريف تحويلهم ، ملف المسطرة ، الاستخراج ، التسليم ،الإنابات..
و البعض الآخر يتعلق بالخبراء و تطبق تعرفة مصاريف الخبراء حسب محل الإقامة و تشمل : أداء اليمين و التقارير و يدخل في نفس النطاق أتعاب الطبيب الشرعي حسب الخبرة المسخر لها ،كما تشمل الترجمة و تعويضات النقل و الإقامة.
و المترجمين وتشمل اتابعهم المختلفة حسب الصفحة إذا كانت الترجمة كتابية و حسب الساعة إذا كانت شفوية
كما تمنح للشهود علاوة المثول و مصاريف السفر و تعويضات الإقامة الجبرية و يمنح للمحلفين علاوات الدورة و مصاريف السفر و كذلك الإقامة.
يتلقى كتاب الضبط حقوق النسخ و تعويضات و حقوق ثابتة عن تسليم المستخرجات.
و إذا نظرنا إلى التعريفة نجد أنه بالنسبة لكتاب الضبط في المجال الجنائي يحدد حق كاتب الضبط الأول عن تسليم النسخة الواحدة بمائة أوقية عن كل ورقة، بينما يستحق عن تسليم النسخة المطابقة غير الموقعة و غير المختومة مبلغ 50 أوقية عن الورقة الواحدة.
بينما يتلقى عن تسليم بطاقة السوابق العدلية من الرقم 3 مبلغ 100 أوقية و حق ثابت عن نسخ اعلانات المعارضة و الاستئناف و التعقيب قدره 100 أوقية.
و في حالة تنفيذ حكم الإعدام يتلقى مبلغ 900 أوقية مقابل الحضور و تحرير المحضر ، كما يتلقى تعويضات عن النقل تحدد بمبلغ 30 أوقية للكيلومتر المقطوع،
كما يتلقى العدول المنفذين مقابلا عن حاجب الجلسة و علاوات الحضور و الاشعار و مصاريف التنقل والإقامة المحددة في قانون تحديد تعريفة المصاريف القضائية ٍ.
كما تمنح علاوات لأعوان القوة العمومية و هم وكلاء الدرك و وكلاء الشرطة و ذلك مقابل أوامر الاحضار أو الاكراه.
-المجال المدني و التجاري و الإداري :
أما المتقدم للحصول على قرار قضائي، فيجب عليه دفع تكاليف التسجيل و الطابع و المصاريف بإستثناء إذا كان مستفيدا من المساعدة القضائية.
حيث يشترط المبلغ المذكور حتى يتم قبول الطلب و يحدد ذلك المبلغ من القاضي و ينبغي أن يراعي الوضعية المالية لصاحب الحق المدنِي.
أما أتعاب كتاب الضبط في هذا المجال فتتفاوة بين حقوق تسليم العقود و الأوامر و الأحكام و القرارات و الأعمال المختلفة و البيوع القضائية و التنقل والإقامة.
أما مصاريف العدول المنفذين فتتفاوة بين تسليم الاستدعاءات والتنبيهات و العقود و المحاضر و ما يسمى ” أمد التادية” و جرد الحجوزات بالإضافة إلى الإعلانات المختلفة و تعويضات النشر و محاضر المعاينة.
أما الشهود فيتلقون إذا طلبو ذلك عن محل إقامتهم و عن خارج محل سكنهم.
بينما تحدد أتعاب الخبراء في المجال المدني حسب الأهمية و الصعوبة و التنقل و يتم التأشير على المصروفات التي تتعلق بالخبير في نسخة الأمر المحدد للمصاريف من كاتب الضبط.
،أما المترجمين فتقاس اتابعهم بالنسبة للترجمة الشفوية حسب الساعة ،أما الكتابية فحسب الصفحة.
و يستفيد المستشارون في المجال الاجتماعي بنفس الحقوق الممنوحة لنظائهم في المجال الجنائي.
-كما يستثنى المشرع أيضا في هذا الإطار مجموعة من النفقات التي لا تدخل تحت بند المجانية :
أتعاب المحامي أو مستشاري المشتبه فيهم و المتهمين حتى ولو عينتهم المحكمة تلقائيا ، نفقات دفن المحكوم عليهم و جثث الطريق العام و نقل المدانين بما فيها استعادة الفارين منهم و نفقات المتابعات أمام المحاكم العسكرية و مصاريف السجون و دور الإيقاف و اتعاب و مراكز إعادة التأهيل.
كما نص المشرع على إمكانية نقل المتهمين و المشتبه فيهم على نفقاتهم مما يدل أنها بصيغة التخيير لا الالزام.
و يتحمل الطرف الذي خسر القضية هذه المصاريف و الرسوم المتعلقة بالدعوى و المستندات و إجراءات التنفيذ،حتى و لو كان ذلك الطرف إدارة عمومية.
و يشار إلى مبلغ المصاريف التي تمت تصفيتها في الحكم بإستثناء إذا ما كان ذلك قد تم قبل صدوره و يجوز لمحكمة الجنح ان تأمر بالنشر على نفقة المحكوم عليه.
و يحظر على أعوان القضاء استلام هذه الأتعاب مباشرة من الأطراف بل يجب عليهم أن يستلموها من كتابة ضبط المحكمة المتعهدة بالقضية ، مما يفهم منه تخوف المشرع من الزبونية و المضاربة و كذلك المحافظة على سمعة و هيبة القضاء و في نفس السياق يحظر على كتاب الضبط و العدول المنفذين أن يطلبو أكثر مما هو منصوص عليه في التعريفة.
كما ينص النص بشكل عام على الاستثناءات المتعلقة بمبدأ المجانية كل النفقات التي لا تهدف إلى البحث و المتابعات و المعاقبات الجنائية.
و قد نص المشرع على كل التفاصيل المتعلقة بالتعريفة المحددة لكل المصاريف أعلاه في قانون التعريفة القضائية لمن يريد الإطلاع عليه.

*المصادر و المراجع :
١-قانون الإجراءات المدنية و التجارية و الإدارية
٢-قانون الإجراءات الجنائية
٣-الوجيز في قانون الإجراءات المدنية و التجارية و الإدارية الموريتانية، عبد الله احمد باب.
٤-المرسوم المحدد لتعرفة المصاريف القضائية
٥-قانون المصاريف القضائية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى