كتاب موريتانيا

عشرة أيام من ممارسة الحكم: الآفاق، والعقبات..!!! / أحمد ولد الحافظ

صحيح أن عشرة أيام لا تكفي للحكم على شيء؛ لكن الصحيح –أيضا- أن وضعيتنا تملي علينا الكثير من الاستعجال.. بل وتجعل الوقت في ساعتنا ثمينا وبطيئا مهما كان رخيصا وسريعا.. من هنا؛ لم أشأ انتظار مائة يوم للتقييم أو الحكم (كما عهدنا في الحالات المشابهة من قبل) أو لعلي رأيت عشرة أيام من أيامنا تعدل تلك المائة يوم..!

أعتقد أن العشرة أيام الأولى من ممارسة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للحكم كانت كفيلة بخلق صورة لاستشراف المستقبل؛ سواء أكانت تلك الممارسة من قبيل اختيار الطاقم، أو ما اكتنف اختياره من سياق.. لذلك دعونا نستعرض –في عجالة- ذلك السياق، ومن ثم الاختيار… وما يحمله المستقبل من خلالهما –في تقديرنا- من آفاق وعقبات..!

السياق:

بعد خطاب التنصيب “المُطَمْئِنِ” شأنه شأن خطاب الترشح؛ بدأ الرئيس في تشكيل طواقمه؛ محيطا قراراته واختياره بجدار من السرية؛ لم تستطع كثرة التكهن والرجم بالغيب وادعاء الاطلاع.. لم يستطع شيء من ذلك اختراق ذلك الجدار؛ الذي لا شك كان سر قوته ضيق الدائرة وثقتها.. لتكون قضايا الدولة الكبرى أول مرة –منذ انقلاب العاشر من يوليو على الأقل- ليست حديث الشوارع ولا الصالونات ولا الصحف..!

برهن اختيار الوزير الأول المفاجئ للجميع (على الأقل من خلال الأسماء التي تم تناولها، أو تمت الدعاية لها) على أن نمطا في التعاطي مع الشأن العام وعناوينه الرئيسية بدأت تباشيره.. وما إن خرجت الحكومة حتى قطعت جهيزة قول كل خطيب.

اختيار الوزير الأول:

حمل اختيار الوزير الأول رسالة واضحة مؤداها أن عنوان المرحلة هو “الكفاءة” و”الاستراتيجية” و”الجدية”.. إذ عُرف هذا الثالوث عن الوزير؛ حيث تشهد له سيرته الذاتية بالكفاءة الأكاديمية العالية.. كما تشهد له بدوره الاستراتيجي الملحوظ (التخطيط لإعادة إعمار الطينطان –مع أن الدولة تراجعت في الأخير عن هذا المشروع- تأهيل العشوائيات، تأسيس منطقة نواذيبو الحرة..).

يقول العارفون به –كذلك- إنه جاد حد التفاني في عمله؛ وهي ميزة نادرة في هذه الأمة الكسولة.. ولعل قراره –بعد مغادرته للحكومة- بالهجرة والعمل في أكثر من بلد، وعلى أكثر من مشروع، خير مترجم لعلاقته بالعمل؛ إذ يندر هنا أن يصل الإنسان إلى مناصب سامية؛ ثم يكون مستعدا بعد ذلك للهجرة والعمل.. إنها مشجع على الكسل، وعلى تتبع السهل (التَّلْوَادْ لَلْهَيْنَاتْ).

الحكومة:

لم تختلف الحكومة في طبيعتها –ولا في الانطباع الذي تركته في نفوس المتتبعين للشأن العام- عن الوزير الأول؛ إذ امتازت –في غالبية أعضائها- بالكفاءة والمهنية؛ بعيدا عن الاعتبارات الأخرى.. وقد غاب بداخلها الكثير من المسالك التي كانت مألوفة مثل:

– المحاصصات القبلية، واللوبيات السياسية.. لم يظهر وزراء محسوبون على قبائل، ولا على أحلاف جهوية.

– الولاء السياسي الأعمى؛ حيث لم يعرف عن أعضاء الحكومة الجدد ذلك الولاء السياسي المبتذل؛ خصوصا في المتعلق بالوزراء الذين تم تجديد الثقة فيهم.. أما البقية فكانوا أقرب إلى “التكنوقراط”..!

– الاتهام في الذمة؛ إذ لم يظهر أي اسم سبق وأن حامت حوله شبهة استرخاص أكل المال العام.

– تمثيل أفقي متسع؛ كان التمثيل الأفقي حاضرا بكل أبعاده (الجغرافية، الاجتماعية، الاقتصادية..).

– غياب تأثير الدعاية الإعلامية؛ حيث اعتدنا -في المراحل الأخيرة كلها- توزير الناس (وتعيينهم في المناصب الأخرى) من خلال “صفقات دعائية” مغلفة بالإخبار والتحليل والرأي.

لا يعني هذا أن الرجل جاء بعصى ستفلق نهر التنمية كل فرق كالطود العظيم.. لكنه –على الأقل- وضع اللبنة السليمة الأولى في بناء صرحه العظيم (تعهداتي) رغم وجود بعض المطبات والعوائق التي ستمثل حجر عثرة في طريق هذه الطواقم إن لم تضعها في الحسبان؛

العقبات:

السياسيون؛ هذا العائق ثنائي البعد؛ حيث المعارضة حائرة مرتبكة مختلفة.. في تعاطيها مع هذا الواقع الجديد؛ فهي لا تعترف بالنتائج أحيانا، ومن جهة أخرى تريد الحوار.. بل ويذهب بعضها أبعد من ذلك؛ ملوحا برغبته المشاركة في الحكومة؛ مما يعني أنها –على الأرجح- ليست مرتاحة لهذا الطاقم .. أما ساسة الأغلبية فقد ترى أنه تم –عبر حكومة الكفاءات هذه- تجاوزها؛ وهو شيء لم تألفه في الماضي؛ إذ ظلت كل الحكومات (خصوصا اللاحقة على انتخابات رئاسية) حكومات مكافآت سياسية، وليست كفاءات مهنية.. وقع ذلك حتى بعيد انتخاب الرئيس الأسبق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله؛ مما يعني أن الحكومة لا ينبغي أن تتوقع من تلك الطبقة نثر الورود في طريقها..!

لوبيات الإدارة؛

تتحكم في الأجهزة الإدارية –غالبا- جماعات من الموظفين القدماء؛ تربطهم علاقات قوية بمراكز النفوذ السياسي والمالي (إن لم تكن تلك المراكز هي من أتى بهم أصلا هناك) لا تحمل تلك الجماعات –في عمومها- رؤية أو تصورا غير محافظتهم على مصالحهم؛ والتي هي –أيضا- مصالح لجهات أخرى قوية ونافذة.. هذا الصنف لن يقبل –بإرادته- إصلاحا جادا؛ لأنه لا يمكن أن يكون جزءا منه؛ وذلك لاعتبارات:

– عدم إيمانهم –في الأصل- بغير مصالحهم.

– محدودية كفاءتهم.. إذ دخلوا الوظيفة –غالبا- في ظروف مشبوهة.

– قناعتهم بارتباط وجودهم بحماية مصالح شركائهم النافذين/مشغليهم.

المجتمع؛

تتذمر غالبية سكان هذا البلد من واقع الزبونية والمحسوبية والرشوة.. وما انجر عن ذلك الواقع من مساوئ عرقلت تقدم البلد ونماءه خلال الستين سنة الفارطة؛ ومع ذلك تشترك هذه الغالبية –كل وفق المتاح له- في ممارسة هذه المساوئ.. حيث ترى الفقير البسيط يحابي أقاربه ومعارفه في طابور لبيع الخبز (مثلا).. أما الضغط على الموظفين السامين بالقرابة والعلاقة فحدث ولا حرج..! فبمجرد أن يرى الشخص أن تطبيق قانون ما قد يطيل عليه الطريق إلى غايته، يستخدم جميع الوسائل والتأثيرات المتاحة له؛ من قرابة وزبونية ورشوة.. غير عابئ بما يجر إليه ذلك من بقائنا في مربع التخلف؛ بل وما يؤديه من تهديد لاستقرارنا؛ وحتى وجودنا.. إنها –في نظره- الفوضى الخلاقة..!

أعتقد أن الحكومة ملكت عبر طبيعتها المستقلة، ومن خلال ما وعدها الرئيس به من صلاحيات ووسائل؛ ملكت الآليات الكفيلة بتذليل كل هذه العقبات؛ فهل تملك الرغبة والإرادة في فعل ذلك؟ ذلك ما نتمناه وننتظره..!

أحمد ولد الحافظ

اظهر المزيد
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: